روزسـ7ـكي
02-Jun-2006, 12:03 AM
هذي الروايه اسمها (مزرعة الدموع) قرأتها بأحد المواقع وعجبتني so حبيت انزلها لكم واتمنى تعجبكم انا انصحكم تتاعبونها من جد جوناااااااااااان
*****
" تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " هذه الحكمة البليغة , كثيرا ما توقع الإنسان في لعبة التحدي , فيقطف نتائج لم يكن يتوقعها .
لم تجري الرياح في تكساس كما اشتهت ستاسي الجميلة التي هجرت حياة المدينة بحثا عن الوحدة في أقاصي الجبال. وأرادت الهرب من ذكري مقتل والدها الرجل
الوحيد في عالمها.
فهل تجد السلوى والأمان مع رعاة البقر في مزرعة كورد هاريس , الذي أذاقها ألوانا شتي من العذاب والألم, حتى أنها تمنت موته ؟
أنها ضعيفة الأعصاب ولا تتحمل تعقيدات كورد بعدما صدمته ليديا , التي هجرته لتتزوج من رجل آخر.
الثروة التي ورثتها عن والدها , هل تحقق لها السعادة والطمأنينة ؟ أم اعترافها بحب كورد المزارع المتسلط الشرس , سيكون خشبة خلاصها من الأوجاع المحيطة بها؟
رياح الحب وحدها توصل سفينة القلب إلي شاطئ الأمان...
وأمام ستاسي أما أن تنصاع لحب كارتر المحامي الشاب فتنجو بنفسها ...أو البقاء في مزرعة الدموع!
***************
-1-
كوخ في تكساس
حدقت ستاسي من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة ,وأفلتت منها تنهيدة خافتة
وهي تترك الستارة لتستقر مكانها , وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب :
" سيد ميلز , كنت صديقا لأبي وتستطيع أن تفهم أكثر من أي شخص آخر , لماذا ينبغي علي الرحيل وحدي لإعادة ترتيب أموري .ما الفرق بين أن يتم هذا في
شقة في نيويورك أو كوخ في تكساس؟"
"سبب رغبتي في أن تعيدي التفكير في رحيلك هو كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه"
"أنا لا أحاول الهروب , ولكني أحتاج لبعض الوقت لأري إلي أين أنتمي ".
" اسمعي ياستاسي , أية فتاة مكانك كانت ستذهب إلي أوربا أو الجزر . أنت فتاة ثرية الآن , أستطيع أن أفهم أنك غير سعيدة بطريقة حصولك علي المال ,
ولكن وفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف علي الرغم من صعوبة ذلك . كنت دائما مستقلة إلي درجة العناد , ولذلك لا أري سببا لا إصرارك علي دفن
نفسك في الريف ".
نظرت ستاسي آدامز في تردد إلي كارتر ميلز الأب وهي تتساءل كيف تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب . لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته.
أبوها ...وقفت الكلمة في حلقها , ونظرت إلي ثوبها الأزرق ويديها المعقودتين بشدة في حجرها . توفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة , تاركة لزوجها الرحالة
مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة . أما جوشو آ دامز فقد رفض عروض الأصدقاء الكريمة بالعناية بستاسي وملأ حقيبة بلوازم الأطفال , واخذ
طفلته ذات العام الواحد في مهمته التالية في الخارج , وكانت الحياة بالنسبة إلي الأب والابنة , عبارة عن رحلة طويلة حول العالم , تتخللها فترات راحة قصيرة في
نيويورك لالتقاط الأنفاس قيل السفر مرة آخري , إلي حيث يبني الأب شهرته كمصور يعمل لحسابه.
ومرت الذكريات الحبيبة نابضة في ذهن ستاسي ... عيد ميلادها السابع عشر منذ ثلاث سنوات , عندما هرب والدها جروا في أحد فنادق نيو أورليانز الفاخرة وأطلق
علي الجرو اسم كاجون تكريما لمكان مولده في جزر الهند الغربية .ونما الجرو الشقي , بسرعة حتى أصبح كلبا من نوع الراعي الألماني , وتعلق بسيدته تعلقا شديدا ,
وتنبأ أبوها بأن كاجون سيحميها كالملاك الحارس. تري هل كان يعلم أنه على حق , لأن كاجون هو الذي سحب ستاسي وهي في غيبوبة, من حطام الطائرة المستأجرة
قبل أن تشتعل فيها النيران . أما أبوها والطيار فلم يتمكنا من الخروج.
حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة , ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية . وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة علي السقوط والتوت شفتاها في ابتسامة
متألمة :
"إني أسحب كلامي يا ستاسي , ربما عاونك الرحيل علي مواجهة مشاكلك".
ثم وقف كارتر ميلز واتجه إلي ستاسي قائلا:
" ولكن تذكري أنك مازلت شابة صغيرة في العشرين, وأمامك الدنيا كلها . لم يكن ليرضي والدك أن يفوتك منها أي شي خيرا كان أو شرا".
أمسكت ستاسي بيديه الممدودتين ,ووقفت وثوبها الأنيق يظهر رشاقتها قائلة
"كنت أعلم أنك ستفهم سبب إقدامي على هذا "
"هناك على الأقل شاب أعرفه لا يسره رحيلك ولا يمكن أن تلومي ابني لرغبته في اصطحابك للأندية الراقية و لن تقولي أنك لا تنتمين إلي هذه الأماكن بعد الإرث الذي ورثته
عن والدك"
" اخشي أنني لم أتقبل بعد كوني ثرية . فمن قبل كنت سعيدة لمجرد وجودي مع أبي , نسافر إلي حيث تأخذنا الرياح .ربما ورثت حبه للسفر . هناك مع كاجون وديا
بلو وأميال من الفضاء الشاسع أستطيع أن أحدد مستقبلي"
"هل ستأخذين هذا الحصان المجنون أيضا ؟ كنت أرجو أن تبيعيه منذ مدة .انك ترتبكين خطأ جسيما باصطحابه".
"ديابلو ليس شريرا وجامحا كما تعتقد . انه شديد الحساسية فقط وأنت تعلم أنني فارسة ممتازة , وما كان أبي ليسمح لي باقتنائه , لولا اعتقاده أنني أستطيع قيادته "
" أعرف هذا , ولكنني واثق أنه لم يخطر بباله أبدا أنك ستأخذين هذا الحصان معك إلي البراري "
"لا أنا متأكدة أن والدي كان يأمل أن أستقر , وآخذ مكاني في المجتمع كما يقال , ولكني لست مستعدة لهذا بعد , وربما لا أستعد لهذا أبدا . من يدري ! والآن
ينبغي لي أن أذهب"
"ماذا ستفعلين بالشقة أثناء غيابك ؟"
"قررت أن أحتفظ بها معلقة , بدلا من أن أتنازل عنها "
"نحن دائما نرحب بك في بيتنا كما تعلمين, وإذا احتجت لأي شي لا تترددي دقيقة واحدة في طلبه"
" لن أتردد. وسيصطحبني ابنك كارتر غدا للعشاء كآخر اتصال لي بالمدينة . فهو يعتقد أنني ذاهبة الي مجاهل إفريقيا المعتمة"
وابتسمت ستاسي وقد أثر فيها اهتمام المحامي وأضافت :
"أشكرك علي كل ما فعلته من أجلي يا سيد ميلز".
استقلت ستاسي المصعد, ولاستغراقها في خططها للمستقبل لم تلحظ نظرات الاهتمام في عيون ركاب المصعد الآخرين . كانت تبدو لأول وهلة متوسطة الجمال , ولكن
النظرة المتأنية , تلحظ شعرها البني اللامع ,يحيط بوجهها البيضاوي , وعينيها البنيتين الداكنتين بأهدابهما الكثيفة , ولو أن الحزن كان يضللها هذه اللحظة ,
مما يضفي علي مظهرها هالة مشرقة نظرة .
وصلت ستاسي للمبني الذي تقطنه ,واستقلت المصعد للطابق الخامس ,وغمرتها الكآبة وهي تفتح الباب . استقبلها كلبها بفرحة غامرة , فقالت بابتسامة حزينة وهي تنظر
لعيني الكلب المليئتين بالحب:
"كاجون أيها الوحش ... هل افتقدتني ؟ ماذا عساي أن افعل لو لم تكن هنا؟ "
أخرجها جرس التليفون من أفكارها فأجابت:
"نعم !"
وجاء صوت الرجل علي الطرف الآخر:
" ستاسي! أنا كارتر قال أبي أنك خرجت قبل وصولي مباشرة"
" لقد تركت المكتب حوالي الرابعة".
"كيف تسير أمورك كلها؟"
"بخير , كنت علي وشك الانتهاء من حزم حقائبي لولا بعض الأشياء الصغيرة ".
وأضافت ضاحكة : " وضعت بعض الفساتين إلي جانب ملابس الركوب . فأنا أنوي الحياة كما ينبغي في مدينة لرعاة البقر".
قال ساخرا:
" لن أعترض . طالما أنك لن تلتقي بشاب اسمر طويل من رعاة البقر، ثم تنطلقا علي حصانه ألامين"
"لا تقلق، لم يعد رعاة البقر كسابق عهدهم، ففي أخر رحلة لنا في الغرب لم أصادف إلا رجالا في منتصف العمر، لوحتهم الشمس ولهم اسر يعولونه"
هل ستقودين سيارتك إلي هناك"
"سأذهب أنا وكاجون،أما دايبلو فسيأخذ القطار حتى بيكوس وهناك أخذه ونواصل الرحلة إلي ماكلاود، وبما أن الكوخ علي بعد ثلاثين ميلا من هناك، فلن أكون بعيدة جدا عن
المدينة".
"يسعدني أنني لن أذهب إلي هناك , فالعزلة تضايقني ولا أفهم كيف تستطيعين البقاء هناك لأكثر من أسبوع . ما الفرق بين جبل وآخر ؟"
"ربما كنت علي حق , ولكن علي أن أكتشف هذا بنفسي ".
"لن أستطيع أن أثنيك عن عزمك , أليس كذالك ؟ اسمعي , إن لدي عملا الليلة فلن أستطيع أن آتي إليك, ولكن موعدنا غدا مساء في السابعة تماما . موافقة ؟"
"موافقة".
" إذا . سأراك غدا ".
"إلي اللقاء ياكارتر".
شعرت ستاسي بالفراغ والوحدة بعد المكالمة , ولكنها لم تستسلم لأحزانها , وراحت تكمل حزم حقائبها.
في الليلة التالية كانت ستاسي تثبت قلادتها المرصعة بالعقيق , عندما رن جرس الباب. ونظرت للمرة الأخيرة إلي المرآة . كان ثوبها بلون الخوخ مفتوحا عند الرقبة
علي هيئة الرقم 7 , مما يبرز لون بشرتها البرونزية التي لوحتها الشمس , وجمال شعرها بأطرافه الذهبية والمصفف علي الطريقة الإغريقية . طلت شفتيها بطلاء
لامع بلون الخوخ وارتسمت علي وجهها ابتسامة راضية.
عندما فتحت الباب لكارتر كانت عيناها تؤمضان غبطة .وقالت :
" هل جعلتك تنتظر طويلا؟"
أمسك الشاب الأشقر الطويل بيديها وعيناه الزرقاوان تحييانها ببريقهما الخاص:
"هل أقول لك ما تعرفينه بالفعل ؟ما كنت لأعترض علي الانتظار أكثر من هذا , لو علمت بالمنظر الذي سأراه".
ثم وضع شالها علي كتفيها قائلا :
"هل نذهب ؟ حجزت مائدة في الساعة الثامنة بنادي ميدو وود الريفي".
"رائع!"
أخذا يتحدثان طوال الطريق إلي سيارته حتى ركبا فصمتا لانشغال كارتر بالطريق ,نظرت ستاسي إليه ... كان شابا وسيما بشعره البني الفاتح وعينيه الزرقاوين
الصافيتين . كان يكبرها بست سنوات وبدأ عمله
كمحام بمكتب والده. إن كثيرين من معارفها يعتبرون كارتر عريسا مثاليا , ولكن لم تكن بينهما أية تصريحات بالحب , أو أية وعود . كانت ستاسي تبعث لكارتر
بطاقات بريدية طريفة عندما كانت تصاحب والدها في أسفاره , وتتصل به عند عودتها ,
وكارتر يلتقي بفتيات أخريات في غيابها , ولكن ليس بانتظام كما كان يفعل مع ستاسي . وسعدت أسرتاهما بهذها لعلاقة النامية , أملا في أن تؤدي إلي الزواج.
ابتسمت ستاسي وهي تراقب يديه الماهرتين وهو يوقف السيارة في مكان الانتظار . لم تكن علاقتهما علاقة أخ بأخته , ولكنهما لم تكن أيضا علاقة عاطفية يدق لها قلباهما
,كانا يستمتعان بوجودهما معا في انتظار أن يأتي الحب يوما ما , فيتزوجها كما كانت تعتقد , وبما أنهما متفقان فسيكون زواجا سعيدا , ولكن ليس الآن . وفكرت
ستاسي : ثم إنني مازلت ساذجة , لدرجة أني أتمني حبا يحلق بي فوق الأرض حتى وإن كان هذا لا يحدث إلا في الأساطير.
قال كارتر ضاحكا وهو يمسك بباب السيارة المفتوح حتى تخرج:
"أيتها الحالمة . ألن تخرجي من السيارة ؟ "
" آسفة لقد كنت في عالم آخر".
قال مبتسما وهما يدخلان النادي :
" إذا عودي منه , إن الليلة ليلتي , وأنوي أن أستغل هذه الفرصة إلي أقصي مدى".
أحاط خصرها بخفة , وهو يفتح لها باب النادي المزخرف . وطلب كارتر المشروبات . بينما أخذت ستاسي تنظر إلي الأثاث الفريد، حيث زينت الجدران بجلود الفهد
والحمار الوحشي مما يوحي بجو الغابة. ونظرت ستاسي إلي كارتر، فوجدت الكآبة بادية على وجهه، فعاتبته قائلة:
"لم هذه الكآبة؟ كنت أظن أننا نحتفل الليل"
"أسف، كنت أفكر في الإجازة التي ستقومين بها. إن أبي ليس مسرورا بشأنها، ولا أنا أيضا. وإذا حدث لك شي في ذلك الكوخ المنعزل فستمر أسابيع قبل أن يكتشف
هذا أحد"
" أرجوك لا داعي لهذا الكلام الليلة لقد قررت الذهاب، وهذا كل ما يمكن أن يقال. يبدو أ، كل الناس يعرفون مصلحتي أفضل مني"
" الم يخطر ببالك أنهم علي حق هذه المرة؟ تظنين أن باستطاعتك التغلب علي اية مشكلة لأنك سافرت حول العالم، ولكنك لا تملكين من الخبرة أكثر من أي فتاة ريفية، كل
ما أراك والدك هو الدنيا من الجانب ألأمين كما تراه عدسة المصور، وليست لديك أية فكرة عن الحياة بمفردك".
" لقد رأيت الحرب والمجاعة من وجهة نظره , أيقلل هذا من تلك الحقائق ! إنني أعرف معني الحياة , وأعرف مالذي سأفعله بحياتي , ولست بحاجة لمزيد من
المناقشة".
" ألن تكفي عن عنادك وتستمعي لصوت العقل؟"
"قلت لك إن الموضوع منته"
قال بخشونة بينما الفرقة الموسيقية تشرع في العزف:
"إذا فلنرقص"
أخذ يرقصان وهما واجمان .ولكن ستاسي ضحكت قائلة :
"كارتر ... إنني آسفة . لم أكن أقصد أن أفقد أعصابي , أرجوك لندع الجدل جانبا الليلة".
ابتسم وقال:
" حسنا . سنعتبر الموضوع منتهيا ونستمتع بأمسيتنا معا ".
قدم لهما العشاء , وبعد أن فرغا منه قالت ستاسي :
"كانت وجبة لذيذة".
ولكن الصحبة أكثر لذة ".
أشكرك ياسيدي العزيز".
"أتودين البقاء هنا لنرقص أم نذهب لمكان آخر؟"
" أفضل البقاء هنا , فالجو الهادئ يروقني".
"وأنا أيضا , لأني أريد أن أحدثك في بعض الأمور".
" أرجوك لا تلق علي محاضرة أخرى عن رحلتي . لقد وعدتني بألا تناقش ذهابي إلي تكساس".
"وأنا أنوي أن أفي بوعدي . إن هذا الموضوع مختلف تماما. لنذهب الآن للرقص".
أخذا يرقصان علي نغمات الموسيقي البطيئة , ونظر إليها كارتر بابتسامة رقيقة قائلا:
"هل تذكرين ما قاله لك والدي بعد جنازة والدك , أنك واحدة من عائلتنا؟"
قالت ستاسي وهي تبادله نظرته الجادة:
"نعم".
"وأنا أريد أن يكون هذا رسميا ,أريدك أن تصبحي زوجتي , لن أحاول منعك عن رحلتك , ولكن عندما تفكرين في المستقبل دعي تفكيرك يشملني ... ستاسي
... أنا أهتم بك... أحبك وأريد أن أرعاك بقية عمري . لم نتكلم عن مستقبلنا من قبل وقد آن الأوان لهذا .كنا صغيرين . كان أمامي أن أنتهي من دراسة
القانون ,وكان أمامك أن تكبري وقد تم هذا لآن , فلنبدأ في التخطيط لبقية عمرنا".
"كارتر ... لا أدري ماذا أقول , ولا أدري إذا كنت علي استعداد للاستقرار ,لا أدري!"
"لا تقولي شيئا. أعلم أن كلامي يأتي بعد وفاة والدك بفترة وجيزة، ولا شك انك مضطربة، فلن أطلب منك ردا الآن .عندما أري أنك مستعدة سأعيد طلبي بالطريقة اللائقة،
وحتى ذلك الحين أطلب منك فقط وأنت في جبال تكساس أن تتذكري حبي لك ورغبتي في أن أتزوجك" .
فكرت ستاسي في هذا العرض، كان يجب أن لا يدهشها، ولكنها دهشت علي الرغم من سابق تفكيرها في هذا الموضوع.
واستمرا في الرقص حتى انتهاء الأغنية وعادا لمائدتهما. قال كارتر:
" لقد ذكرت أنك ستشحنين دايبلو إلي تكساس. ألا تأخذين حصاني الرمادي؟ انه أكثر هدوءا من شيطانك الأحمر".
قالت باسمة:
" أشكرك على هذا العرض ولكني لا أتوقع أن، يسبب لي دايبلو مشاكل كثيرة. ثم إنه في الطريق إلى بيكوس الآن ولذا سألتزم بترتيباتي الأولى".
سألها:
"في أي وقت تزعمين الرحيل غدا؟"
" آمل أن أرحل ظهراً"
""إن الوقت الآن متأخر، ولا أريد أن أحرمك من راحتك. سيكون أمامك الكثير من التفكير الليلة. أو هكذا أتمني".
لم يتحدثا كثيرا في الطريق لبيتها، وعندما وصلا نظر إليها كارتر قائلا:
"لن أتمكن من المجئ غدا لوداعك، وأتمنى لك حظا سعيدا الآن. سأتركك هنا يا ستاسي، عودي لبيتك سريعا".
نظرت ستاسي للشاب النحيل القوي وهو يذهب وشعرت بفراغ وبرودة في قلبها.اتجهت للمصعد ثم دخلت شقتها بهدوء وهي تتساءل عن صحة قرارها بترك البيت و ألأصدقاء
الوحيدين لها.
بعد ساعة غلبها النعاس وهي مصممة مرة أخري علي المضي في خطتها بالرحيل إلي تكساس.
***
-3-
لا لن نتفاهم
مضى يومان منذ وصولها , قضت اليوم الأول في إخراج حاجياتها من الحقائب وترتيبها . وكان عليها أيضا أن تنظف السيارة والمقطورة . وفي المساء ركبت حصانها
للتريض في المرج حتى تعوده علي المناخ الجديد . أما اليوم الثاني فقضته في استكشاف الجبال الشرقية.
وقد خلبت المناظر الطبيعية لبها . لم تقطع هذه المسافة أبدا من قبل, بدون أن تلتقي بأية علامة للمدينة ,فيما عدا بعض قطعان الماشية في الوادي . ومن العجب أن
الأمسيات مرت بسرعة بالنسبة للفتاة . فهي تجلس في الشرفة حتى يختفي الضوء , بعد أن تعد طعامها وتطعم الحصان والكلب.
ولأول مرة منذ أسابيع تشعر ستاسي بالسكينة بين الطبيعة الصافية في الوادي حتى اختفي قلقها وحزنها . لم يعد هناك شيء يهم إلا أن تحيا ... كانت علي صواب عندما
عزلت نفسها عن بقية الناس . ولكن جزءا منها لم يكن يريد الذهاب بالرغم من انه كان عليها أن تفعل ذلك.
وفي الليلة السابقة كانت قد كتبت رسالة إلي كارتر تخبره أنها وصلت بسلام وبدأت في الاستقرار . وفي هذا الصباح كانت تنوي أن تركب حصانها بحثا عن صندوق بريد في
إحدى المزارع , حتى لا تضطر إلي الذهاب للمدينة لإرسال الرسالة . ولم تلحظ أية صناديق بريد عند مجيئها , ربما بسبب تركيزها علي الطريق.
دخلت الحظيرة وأخذت اللجام ثم اقتربت من الحصان الأحمر الذي بدأ يتراجع أمامها ز وتجاهلت علامات الغضب البادية عليه , وقالت وهي تقترب منه:
" حسنا يا ديابلو و لا تكن صعب المنال , الصباح أجمل من أن أضيعه في السيطرة عليك".
وقف الحصان متضايقا وهي تكلمه برقة .مدت يدها له ومد هو أنفه إليها بتردد, ثم نفخ برقة في يدها واستسلم لها وهي تلجمه وتسرجه . كان رد فعله للسرج يختلف
في كل مرة , فتارة يقبله بهدوء , وتارة يتصرف كحصان صغير لم ير سرجا من قبل . وصفرت لكاجون , ليتبعها وركبت الحصان في اتجاه الطريق العمومي .
كانت أشعة الشمس تسقط علي ظهر الحصان النحاسي وتبرز بياض رداء الراكبة . وأخذ كاجون في فحص علامات الطريق , بينما انطلقت ستاسي علي الحصان في
اتجاه المدينة ز وعندما أبطأت من سرعة الحصان لم يعجبه هذا فحاول التخلص من اللجام . وصارعت للسيطرة عليه حتى فاتها النظر إلي المناظر الطبيعية حولها .
بيما الحصان يشب للخلف لاحظت أن السرج ينزلق من علي ظهره.
أوقفت الحصان , ونزلت . ولكن الحصان هاج وأخذ يضرب برجليه مانعا ستاسي من الاقتراب منه , وبينما كانت منهمكة في كبحه لم تلحظ اقتراب سيارة منها ,
فالتفتت ولكن الحصان مر بجانبها فأسرعت تشد اللجام.
أثارت ضجة السيارة ثائرة الحصان أكثر حتى استاحلت السيطرة عليه . حاولت ستاسي منع ديابلو من الانفلات وكانت تعلم أنها لن تستطيع الإمساك به أبدا إذا هرب في
هذا الفضاء الواسع أمامها.
ونظرت ستاسي بطرف عينها فعرفت الرجل الأسمر , ذا القوام الفارع الذي خرج من السيارة واتجه إليها , أنه كورد هاريس من بين كل الناس وآخر شخص تود رؤيته
الآن.
قال بصوت خفيض:
"يبدو أنك تواجهين بعض المشاكل يا آنسة آدامز؟"
قالت ستاسي في تهكم وهي تتنفس بصعوبة بسبب مجهود الإمساك بالحصان:
"يا لها من ملاحظة ذكية!"
أخذ الرجل منها اللجام وأشار لها أن تتراجع للخلف . جدد ديابلو معركته من أجل الحرية عندما رأي الرحل الغريب , ولكنه لم يستطيع مقاومة كورد الذي أمسك اللجام
بقوة حتى استقر الحصان علي أرجله الأربع , وبدأ يهدأ.
نظرت ستاسي لكتفي الرجل العريضتين بعضلاتهما القوية تحت سترته , وراقبته وهو يمر بيده علي عنق الحصان . لم تكن تتصور أن هناك من يستطيع أن ينتصر في
صراع مع هذا الرجل القوى . في هذه اللحظة استدار لها كورد , والتقت عيناهما . وعلي الرغم من محاولتها لم تستطع منع نفسها من النظر في عينيه الداكنتين اللتين
تشعان نار عميقة وغريبة. وكسر هو حدة الصمت قائلا:
" أنصحك بشراء حصان آخر . فمن الصعب علي فتاة صغيرة مثلك السيطرة علي مثل هذا الحصان "
" أشكرك ولكني لم أطلب نصيحتك ولا معاونتك".
"لم يبد لي أنك تقومين بمهمتك بمهارة , ولكن ربما كنت مخطئا ".
قالت وهي تشير إلي سيارته الأنيقة ذات اللون الذهبي والبني :
" كنت علي وشك السيطرة عليه , لولا مجيئك في هذا الشيء المزعج الذي زاد من ثورته".
"لم أكن أدري أنني يجب أن أستأذنك عندما أسوق سيارتي في طريق عام. إذا كان حصانك يخاف السيارات لا تركبيه حيث يتحتم أن يلتقي بها ".
وشعرت أنه أدي لها صنيعا , ولم تتصرف بلباقة فقالت بمرارة:
" آسفة . كان يجب ألا أقول هذا , إنه عصبي المزاج في بعض الأحيان مثل هذه المرة".
" أرجو ألا يحدث هذا كثيرا , وإلا وجدت جثتك في مكان ما بين الجبال , عندما يلقي بك ثانية".
" إنه لم يلق بي ,أنا التي نزلت لأصلح وضع السرج ".
نظر إلي السرج في عبوس قائلا:
" أعتذر لمهارتك كفارسة , ظنت انك افترقت عنه بطريقة أكثر مأساوية".
ضحكت وقالت:
" لا , ولو أن هذا حدث مرة أو مرتين".
أخذت تلاطف الحصان بينما راح كورد يصلح السرج , ثم استدار لمواجهة ستاسي وشعرت بنظرته واستدارت لتلتقي بها , ولكنه أدار بسرعة قبل أن تري تعبير عينيه .
وعندما نظر إليها مرة آخري لم ينم وجهه عن أفكاره فأشاحت بوجهها فسألها:
"هل كنت تتجهين لمكان معين ؟"
" كنت أبحث عن صندوق بريد".
"صندوق بريد ! وأين ظننت أنك تجدين هذا الصندوق؟"
وعادت إليها كراهيتها لهذا الرجل المتعجرف فدافعت عن نفسها قائلة:
" كنت أقصد صندوق بريد خاص بأحدي المزارع , حيث يسلم رجل البريد الرسائل ويأخذها".
" آسف لتخليصك من وهمك يا آنسة آدامز , ولكن لا يوجد صندوق بريد من هنا إلي المدينة لقد نسيت أن هذه البلاد ينقصها الكماليات التي يعتبرها أهل المدن ضروريات".
قالت بعصبية :
"لم أكن أعرف ذلك . ثم إني لا أعتقد أنه لطيف منك أن تحط من شأن إنسان بسبب جهله بأمر ما".
وواجه غضبها وتحديها بهدوء قائلا:
إنني لا أحط من شأنك , بل أريد أن أنصحك بأنك سترتاحين أكثر إذا عدت إلي حيث تنتمين".
"سيد هاريس ,لا أظن أن انتمائي من شأنك , والأفضل لك أن تبتعد عن طريقي حتى أنال شرف وداعك".
رمقها بغضب وأوشك أن يتكلم , ولكنه أغلق فمه . أما ستاسي فأصرت علي تحديها بالرغم من شعورها بالندم علي كلماتها المتسرعة . وقفا يرمقان بعضهما وفجأة
أخذها المزارع بين ذراعيه .أمسك بها بقوة قائلا بشراسة :
" اسمحي لي أن أعاونك في طريقك".
وأذهلها تصرفه حتى أنها لم تحاول أن تقاومه ,بينما أخذ قلبها ينبض بشدة , وأدركت انها تلعب بالنار بتحديها لهذا الرجل. ووضعها بلا مجهود علي سرج الحصان
ورمي لها حبل اللجام . فامسكت به , ونظرت إلأي عينيه المتوهجتين.
وقال باستهزاء :
" هذا ما أردت . أليس كذلك ؟"
ردت عليه بعد أن استعادت هدوءها:
"كما قلت من قبل يا سيد هاريس , أنا لم أطلب مساعدتك".
"إن الناس هنا لا يطلبون أي شيء . إنهم إذا أرادوا شيئا يفعلونه ".
أحس ديابلو بالتوتر بينهما وأخذ يتراقص . لم تجب ستاسي لاعتقادها بأن أي شيء تقوله سيزيد من حدة الموقف . ولم تشأ أن تثير غضبه مرة آخري لخشيتها من العواقب
. واستجمعت رباطة جأشها بقدر الامكان وأدارت الحصان حول قوامه المهيب , وشعرت بعينيه تنظران لها وهي تعود بالحصان من حيث أتت . لقد كواها شعورها
بالمذلة ,ولكن كبرياءها منعتها من الإسراع في انسحابها.
منعت نفسها بصعوبة من النظر ألي الخلف، ثم سمعت باب السيارة يقفل والمحرك يدار فأسرعت بدون توقف حتى وصلت إلي الكوخ. وتحول شعورها بالهوان إلي غضب
جارف. بأي حق يعاملها هكذا؟ كان يتصرف كما لو كان من حقه أن يملي عليها ما تفعل, وأزاحت سرج حصانها بإهمال غير معهود, ثم جلست في الشرفة وهي
ممتعضة. وأقشعر بدنها عندما تذكرت ما حدث. لو أنها قاومته, أو حتى شدت شعره الداكن أو خدشت وجهه! إنها لن تسمح لنفسها أن تضعف أمامه مرة أخري, وأقسمت أنه تقول له رأيها فيه بصراحة عندما يلتقيا مرة أخري
لم تهدأ كبرياؤها الجريحة, علي الرغم من جمال الطبيعة حولها. كان الوقت ظهرا ولكنها فقدت شهيتها للطعام فأخذت ثوب البحر وذهبت للجدول القريب من الكوخ .
غطست في الماء وكاجون ينتظرها ويحرسها في ظل شجرة قريبة . وبعد حوال ساعة خرجت من الماء وجلست مسترخية إلي جوار كلبها . هدأت أعصابها بعد مجهود
السباحة , ولكن كراهيتها للمزارع المتعجرف بقيت كما هي . وفكرت في العودة لنيويورك ولكنها تذكرت نصيحة كورد هاريس بالعودة فلم تشأ أن تعطيهما أراد ووقفت
قائلة:
"سوف نبقي يا كاجون . وأكثر من ذلك سوف نستمتع ,لن نتجنب مزرعة سيد هاريس حتى لولم يعجبه هذا , وغدا سأذهب إلي المدينة لأرسل الرسالة قبل أن يبعث
كارتر بفرقة للبحث عنا".
عادت للكوخ وقد ارتفعت روحها المعنوية , وعلت وجهها إمارات الرضي . كانت متأكدة من أنها لن تدع كورد هاريس يتغلب عليها في أية مواجهة مقبلة بينهما.
وفي الصباح التالي تأخرت ستاسي في نومها فأيقظها كاجون. ارتدت ثيابها واعدت قهوتها. وأسرعت بإطعام الكلب و الحصان , وأمرت الكلب بالبقاء في الكوخ.
ثم أستقلت الجاكوار إلي الطريق العام.
أسرعت في طريقها للمدينة، ولكن هذه المرة استطاعت أن تتأمل المناظر حولها. بدت الجبال الحجرية العالية,
كما لو كانت تحاول الوصول من البراري إلي السماء،بينما تغير لون قممها إلي الرمادي الداكن، مبرزة ألوان السهول الخضراء إلي أسفل. كان المنظر يسلب الألباب، بينما
وزعت الأشجار بين الفينة و الفينة كما لو كانت علامات تعجب في الأفق.
مرت ستاسي بالمكان الذي التقت فيه بكورد هاريس بالأمس، فأسرعت لرغبتها في نسيان ذلك الحدث. ولكن روحها المعنوية هبطت فتجاهلت المناظر الطبيعية، وركزت علي
الطريق. كان من الصعب أن تنسي نظرة عينيه القاهرة تنفذ أليها بإمعان وهي علي ظهر الحصان.
بعد نصف ساعة وصلت ستاسي إلي مدينة ماكلاود. كانت الشوارع هادئة من المارة.فأوقفت السيارة أمام مكتب البريد ثم دخلت , وحيت الموظف . وضعت رسالتها
في صندوق البريد , وأوشكت أن تخرج لكنها عادت للموظف قائلة:
"معذرة , هل هناك أية رسائل لستاسي آدامز ؟"
"أنت الآنسة التي استأجرت كوخ نولان ؟ نعم كان لك رسالة ولكني أعطيتها لكورد ليوصلها لك , الم تقابليه ؟ قال انه يعرفك ,وانك جارته".
دهشت ستاسي وقالت :
"أعطيته رسالتي ؟ كان يعلم أنني سآتي للمدينة".
قال الرجل المسن :
"ربما نسي , وربما احضرها لك اليوم , فالناس هنا جيران طيبون".
حاولت التغلب علي غضبها وقالت :
"من فضلك احتفظ ببريدي مستقبلا حتى أتي لأخذه بنفسي".
قال وهو ينظر إليها بتساؤل :
"اجل يا آنستي ".
شكرته بهدوء وخرجت ووقفت وترددت , إذ كان من الذوق أن تذهب للسيدة نولان وتشكرها علي مجهودها الزائد لأعداد الكوخ ,
دخلت محل البقالة فوجدت موللي تتحدث مع شابة حمراء الشعر معها طفلان نشيطان يجران ذيل ثوبها .ابتسمت لها السيدة نولان ابتسامة عريضة . والتفتت إليها الشابة
مبتسمة ابتسامة مرحبة مثل موللي التي قالت وهي تمسك بيدي ستاسي :
" ستاسي .كنت أتسال عن أحوالك ؟ قال كورد أمس انه التقي بك ويعتقد انك بخير".
عضت شفتها حتى لا تعلق تعليقا لاذعا عنك ورد وقالت:
"نعم ,أنني بخير وأحب الكوخ ,قال لي السيد نولان عن مجهودك لوضع اللمسة الأنثوية في الكوخ , وأريد أن أشكرك".
" لا تشكريني فقط اشكري ابنتي أيضا ".
وأشارت موللي للشابة الواقفة بجوارها وأكملت حديثها:
" يسعدني انك جئت لأنني كنت أتطلع للقائكما . ماري هذه هي ستاسي آدامز .وهذه هي ابنتي ماري بوكانان".
ابتسمت الشابة ومدت يدها لستاسي قائلة:
"إنني جد مسرورة للقائك أخيرا . لم يكن هناك حديث لامي إلا عن هذه الشابة الجميلة التي تسكن وحدها في الكوخ , ولكنها لم تعطك حقك".
"أشكرك ,لقد أشعرتني والدتك إنني في بيتي ".
ابتسمت ماري لامها مداعبة وقالت:
"ستظل أمي دائما كالدجاجة الأم التي ترعي الصغار , سواء كانوا كتاكيتها أم كتاكيت غيرها . لابد انك حزرت أن هذين الهنديين طفلاي . هذا جيف وهذا دوغال".
ركعت ستاسي لتسلم علي الصبيين:
قال جيف وهو يتأمل شعرها البني المتساقط حول وجهها البيضاوي الباسم:
"انك جميلة جدا , تكادين تكوني أجمل من أمي".
وضحكت ستاسي وشكرته , ونظرت ماري إلي ابنها الأكبر بغمز وابتسمت قائلة:
" لقد أسرته , أن ذوقه جميل مثل والده".
قالت موللي :
" بالطبع ,ولا تنسي هذا أبدا".
قالت ماري :
" أمي دائما تذكرني بتوفيقي في زواجي كأنه من الممكن إن انسي ذلك . هل أنت في عجلة من أمرك ؟ ألا تأتين لمنزلي لتناول القهوة".
استجابت ستاسي لصداقة السيدة الجذابة :
"سيكون هذا رائعا . إن سيارتي واقفة أمام ..."
"هذا حسن , سرنا إلي هنا والآن سنعود راكبين . أننا نسكن قريبا من هنا ".
قالت موللي:
" أسرعا كلاكما إذا , حتى استطيع أن أعود إلي عملي . اعتني بالولدين ولا تدعيهما يأكلان كل ألحلوي التي أعطيتها لهما".
أخذت ماري ستاسي إلي منزلها الجميل المبني علي طراز بيوت المزارع . وخرج الولدان رغما عنهما من السيارة , وفتحت ماري باب المنزل وانتظرت إن تسبقها
ستاسي ثم قالت ماري :
" لقد أثارهما ركوب سيارتك وسيتذكران هذا لمدة طويلة".
تبعتها ستاسي إلي المطبخ الكبير قائلة:
" إنا أيضا استمتعت , فانا أحب الأطفال ".
" لن أقول لك انتظري حتى يكون لك أطفال لأني أحب الأطفال ولا أبدلهما بالدنيا وما فيها . أكاد اجن من الأمهات اللواتي يتذمرن من أولادهن".
جلست ستاسي الي المائدة قائلة:
" أنني افهم قصدك ولو أنني قليلة الخبرة بالأطفال ".
" قولي لي هل هناك من ينتظرك في بلدتك؟"
تذكرت ستاسي كارتر ميلز فقالت :
"تقريبا".
قالت ماري :
" تقريبا ! هل تقصدين انه لم يعرض الز,اج بعد , وقد جئت لتشعريه بأنه يفتقدك؟"
ثم أحضرت القهوة وجلست إلي المائدة وسالت :
" بحليب أم بسكر؟"
أجابت ستاسي:
" لا . بل أريد قهوة سادة . لقد عرض علي الزواج قبل رحيلي ولكني لست واثقة من إني أريد الزواج ألان".
" هل تحبينه؟"
" اعتقد هذا . إنا لم اخرج مع شاب سواه , ونحن نعرف بعضنا بعضا جيدا لدرجة..."
" افهم قصدك . لم تريدي إن تتسرعي في قرارك خاصة بعد فقد والدك".
تنهدت ستاسي وقالت :
" ربما يكون ذلك من الأسباب".
شعرت ماري إن ستاسي في حيرة فقالت:
" ربما عاونك بعدك عنه إن تعرفي إلي أي حد تهتمين به . لحسن الحظ لم يكن لدي أي شك في شعوري نحو بيل . انه طبي المدينة وقد شعرت لحظة إن جاء إلي
المدينة وتسلم عيادة الدكتور جيبون , انه الرجل الذي أريد إن أتزوجه.كنت في الثانية والعشرين من العمر , وكنت اعرف العديد من الشبان".
" إني أتساءل أذا كانت هذه هي مشكلتي . فقد كنت أسافر مع أبي في مهامه ,فلم ابق في مكان واحد مدة تسمح لي بمقابلة شبان في مثل سني , وعند عودتي كان كارتر
دائما هناك . اعرف إنني افتتنت بأحد الصحافيين الذين عملوا مع والدي".
ضحكت ماري قائلة:
" اعتقد إن كل فتاة تمر بهذا . كان لي مثل هذا الشعور لكورد هاريس , كنت أطارده في كل مكان".
" كورد هاريس؟"
" نعم . لقد وقعت كل فتاة في المنطقة تحت تأثير سحره , في وقت من الأوقات".
وعلقت ستاسي :
" هذا الرجل عدو المرأة , لا أتصور إن يكون مهذبا مع أي شخص".
" أواكد لك انه ليس عدو للمرأة . انه يشعر بالمرارة بعد تصرف ليديا مارشال السخيف معه , ولكنها مسألة وقت حتى تأتي فتاة ما , وتحطم الدرع الذي وضعه
حول نفسه , وستفهمين عن أي شيء أتكلم عندما يطلق العنان لجاذبيته , فأنه لا يقاوم ".
" انك تنظرين إلي فتاة تستطيع مقاومة سحره . انه بلا شك أكثر عجرفة وحقارة من أي شخص قابلته".
اخفت ماري ابتسامتها بصعوبة وقالت:
"أري انه ترك فيك تأثيرا واضحا . اعتقد انك تسرعت في الحكم عليه .حتى أذا تجاهلت وسامته الشديدة , وقوامه الفارع ستجدين فيه كل متطلبات الزوج والأب
الفاضل . وإذا لم يكفك هذا فهو يملك اكبر مزرعة هنا ويكسب منها كثيرا ".
" هذا حسن , ولكني ارثي للمرأة التي ستتزوجه . لقد تسرع في حكمه علي وإنا لن أتسامح وأدير خدي الآخر ليلطمه".
قالت ماري وهي متحيرة :
" لا بد إن الشرر يتطاير من عينيك عندما تلتقيان , وهذا غريب , لقد ظننت إنكما ستتفاهمان..."
" لا إننا لن نتفاهم".
ولكن ستاسي لم تستطع إن تقص علي الفتاة المتفهمة حادث الأمس . فقد كان شعورها بالهوان أقوي من ان تتكلم عنه.
ودعت الأسرة الصديقة بعد الظهيرة , ووعدت بزيارتهم عندما تأتي للمدينة.
وصلت ستاسي للكوخ في اقل من ساعة حيث حياها كاجون , وهو يهز ذيله بشدة ودخلا معا للكوخ وهما سعيدان . وبينما تعد ستاسي العشاء لاحظت وجود رسالة علي
المائدة التقطتها , ووجدت مظروفا تحتها . وقرأت الرسالة :
" آسف لأنني لم أجدك . تجرأت وأحضرت لك بريدك.
ك . ه ."
فمزقت الرسالة وألقت بها في المدفأة , وهي تقول بصوت عال :
" يا لأعصاب الرجل . آسف لأنني لم أجدك . أما أنا فلست آسفة ".
وبعد تناول طعامها أخذت قهوتها إلي الشرفة وقرأت رسالة كارتر والضوء يخبو
****
-----------------------------------------------------------------
6- العقاب الجميل
666666666666666666666666
عملت ستاسي في اليومين التاليين على أن تتجنب لقاء كورد هاريس. ونجحت في هذا بمعاونة المزارع نفسه، الذي بدا انه أيضا لا يرغب في صحبتها. حفرت بحذائها
في الأرض الرملية , وأخذت تنظر حولها في تردد. جاء أوان الحديث معه ولم تكن تتطلع إلى هذا أبدا. فقد استعادت قواها تماما وأرادت أن ترتب لعودتها للكوخ.
كانت قد أتمت حزم حقائبها بعد الغداء، وكان أمامها أن تبحث عن كورد وهي مهمة غير مستساغة لها بالمرة . مشي كلبها الكبير إلى جوارها وهي تخطو أمام باب المكتب
المفتوح . وبنظرة إلى الداخل تحققت من شعورها الداخلي بأنه غير موجود. وتنهدت في أسي ومشت إلى الاصطبلات. نظرت عبر المباني وفكرت بتجهم ؛ ربما كان
في مكان ما علي الجبال. لمحت حصانا وراكبه يركضان عند الحظائر . ولم تعرف ستاسي الرجل فانتظرته وقد أثارت سرعته فضولها.وسمعت اصواتا تصيح قرب
الاصطبلات فاستدارت لترى سبب الضجة.ولكن المباني حجبت عنها الرؤية. وتوقف الراكب عند باب الحظيرة ونزل عن الحصان .
" ما الخبر؟"
قال راعي البقر بصوت خافت:
"معذرة يا آنستي ولكني ذاهب لاستدعاء الطبيب"
وبدأ يسرع في طريقه .
هتفت ستاسي وفي ذهنها صورة مخيفة لكورد يرقد على الأرض مغشيا عليه :
" ماذا حدث ؟ من الذي أصيب ؟"
أجاب الرجل وهو يسرع نحو باب المكتب وستاسي تتبعه :
" هذا الشيطان الأحمر الذي يسمونه حصانا هرب من الحظيرة عندما دخلها كريس , وحاول الشاب المغفل أن يمسك به وهو يركب حصانه . فجن جنون الحصان
وهاجمه . لحين الحظ كان السيد ونحن معه عائدين من الجبال , فرأينا ما حدث . لا اعلم مدى إصابة الشاب فانا ل لا استطيع الاقتراب منه".
تأملت الرجل وهو يمد يده للهاتف في غرفة المكتب وشهقت :
" ديابلو!"
قال الرجل في الهاتف بدون أن يوجه كلامه لستاسي:
" إن السيد بلغ به الغضب حد يجعله يقتل ذلك الحصان".
وجرت ستاسي خارج المكتب إلى الحصان الواقف بالخارج فقفزت علي ظهره ووجهته إلى حيث سمعت الأصوات . لم تكن أفكارها واضحة وهي تنادي على كلبها أن يتبعها
وركضت بالحصان . كانت تعلم فقط أن عليها أن تكون هناك . يقتل ديابلو!
رنت الكلمات في إذنيها كجرس الموت . وضربت الحصان بلجام . من فرط اضطرابها وقفزت به حول المباني , ثم توجهت إلى راكبي الجياد. وعندما اقتربت منهم
رأت راكبا محشورا تحت حصانه الساقط بينما وقف حصانها الأحمر بينه وبين الراكبين الآخرين. كان هناك حبل مفكوك يتدلى من رقبة ديابلو وهو يفلت من حبال الرجلين.
كانت رقبته بيضاء من الزبد وهو مستمر في الهجوم بحوافره الشريرة .
صاح كورد عندما رأى ستاسي تترجل عن الحصان :
" ماذا تفعلين هنا ؟"
والتوى وجهه غضبا وهو يدور بحصانه الكبير ليواجهها قائلا :
" عودي إلى المنزل حيث مكانك "
وصاحت ستاسي وهي تستدير إلي حصانها الذي اندفع مهاجما الراكب الآخر باسنانه العارية :
"انه حصاني "
وزار المزارع وهو يقف بحصانه إلى جانبها :
" أيتها الأنثى المجنونة . ألا ترين أن هذا الحصان الملعون قد جن ؟"
في هذه اللحظة لمحت ستاسي وجود السوط في يد الرجل الغاضب وطرفه في الغبار الذي اثارتة حوافر الحصان 0تطاير الشرر من عينيها وهي ترفعهما لتلتقيا
بعينيه الداكنتين .
" ماذا تنوي أن تفعل ؟ أن تضربه حتى يستسلم ؟ "
" نعم إذا اضطررت إلى ذلك فهذا الفتي قد أصيب!"
وأمرته ستاسي
" ابتعد عن طريقي "
ودفعت حصانه بعيدا عنها ثم مشت لتواجه الحصان الأحمر. صفر ديابلو وهو يخدش الأرض بحوافره ويهز عرفه الأصفر لها . وشب الحصان وحافراه في الهواء وأذناه
للخلف.و حاولت ستاسي أن تخترق ذهن الحصان المتهيج فأمرته :
" ديابلو, ديابلو إهداء! "
وظلت أذناه ملامستين لرأسه بينما اخذ يرفس الكلب من خلفه برجليه, ورأت ستاسي الحصان الساقط يحاول النهوض, إلا انه سقط على جنبه. وحاول حصانها
مهاجمتها فنادته وصوتها يعلو بلهجة الأمر . اعتقدت ستاسي أنها رأت أذنيه ترتفعان وهو يقترب منها. عندما كاد أن يصل إليها خطت جانبا فاندفع بجانبها ، ثم استدار
وواجها وهو يهز رأسه المحمومة . لمحت ستاسي من طرف عينها الراكبين . احدهما اتجه نحو المصاب بينما اتجه كورد نحو حصانها والسوط على سرجه وفي يده
حبل يهزه استعدادا .
وتغير صوتها إلى همسة حانية :
"ديابلو... إهداء يافتى. إهداء...إن كل شيء علي مايرام ياطفلي . تعال هنا تعال"
ولكنه كان ثائرا وقد تذكر الجرح الذي أصابه في عنقه . ولم يستطع الحصان الأحمر أن يكبح جماح الغضب في داخله.واخذ رأسه الرقيق يعلو ويهبط والزبد يسيل على
عنقه . لقد عرف الفتاة الواقفة أمامه ولكنه كان يمتلئ بالكراهية والقوة. لمح بطرف عينه الحصان وراكبه يصلان خلفه ، ورقص وهو يستدير لمواجهتهما . ونادته
ستاسي وهي تخطو للأمام . ولكنه في هذه المرة استدار بسرعة وجري إليها مكشرا عن أسنانه ورأسه منخفض، وعندما حاولت ستاسي القفز بعيدا عن طريقه انحرف إليها
راميا بها إلى الأرض بكتفه الكبيرة .
ووقفت مقطوعة النفس ولكنها لم تصب بسوء، ورأت كورد يسرع كالبرق خلف الحصان. زعق في الراكب الأخر فأحاط الحبلان في نفس الوقت برقبة الحصان الأحمر.
وصرخ الحصان غاضبا وحاول أن يهاجم الراكب البعيد فأوقفه كورد بحبله .
وصاح الراكب الأخر في انتصار بينما اخذ الحصان يقاوم الحبلين بلا جدوى :
" لقد أمسكت به ياريس! أمسكت به!"
وبعد بضع دقائق أدرك الحصان انه لن يستطيع الانتصار, وبسرعة قاده الراكبان إلى الحظيرة التي هرب منها .
ونفضت ستاسي الغبار عنها ورأت الراكب الثالث الذي كان قد ذهب يستدعي الطبيب راكعا إلى جانب الحصان الساقط وراكبه . واتجهت إليهم بسرعة فوصلت في نفس
الوقت الذي وصل فيه كورد . كانت نظرته متجهمة وهو راكع بجوار راعي البقر الشاب الذي هزه الألم وقال كورد:
" إهداء ياكريس سوف نخرجك بسرعة .الطبيب في الطريق"
آن الفارس الشاب وهو يصر على أسنانه من فرط الألم :
" كسرت ساقي ، أخرجني من تحت هذا الحصان اللعين " .
قال كورد موجها كلامه للفارس الأخر الذي انشغل بتهدئة الحصان الساقط .
"إلى أي مدى جرحت ساق هذا الحصان ؟ "
وكانت الإجابة الوحيدة هزة رأس بالنفي .
وبلا أية كلمة وقف كورد واتجه للحصان ثم اخرج بندقيته من غمدها . ووقفت ستاسي كالمخدرة ترقب تحركاته بدون أن تقدر على الحركة . اصمت أذنيها طلقة البندقية
وهي تخمد حياة الحصان المجروح . غلبتها الصدمة و الرعب فلم ترى وصول الطبيب و لا الفتى الذي حمل على نقالة . ولم تستطع رؤية أي شئ إلا الحصان الميت . حتى الدموع تجمعت في عينيها . و أخيرا حجب كورد الرؤية عنها بقوامه المغبرة .
وتصلبت وهي ترفع عينيها المليئتين بالدموع إلى وجهه الذي لم تره بوضوح . واغتصبت الكلمات بصعوبة بالغة و همست :
" لماذا ؟ "
" عندما حاول كريس الإمساك بحصانك هاجمه الحصان ، و أوقع بالحصان و الراكب فكسرت ساق كريس و كذلك ساق حصانه . الطبيب يقول انه سيشفى خلال ستة أ
سابيع ، ولكنه سيحتاج لعكازين لمدة شهر أو أكثر " .
غمغمت ستاسي بغير وضوح :
" لا . انه الحصان ! لماذا كان لابد إن تقتله ؟ لم يكن الخطاء خطأه " .
وبكت . كانت هذه أول تجربه لها مع ماظنته وحشية ، ولم تستطيع أن تمنع عينيها من الشرود نحو الحصان الميت . وانفجر كورد قائلا :
" الحصان ؟ إلا تفهمين انه كان من الممكن أن افقد رجلا ؟ إنسانا ! وكل ما يشغل بالك هو أمر هذا الحصان " .
بلغ غضبه حدا جعلها تفيق من صدمتها ، واستدارت لمواجهته مرة أخرى ، فقرات أمارات الاشمئزاز والامتعاض على وجهه . لم يكن يفهمها . لقد حزنت من اجل
راكب الحصان ولكنها لم تستطع أن تتقبل قتل الحصان عمدا .
وقالت بصوت حاد من الصدمة وقد اقتربت من الهستريا :
" ولكنه سيشفى ويصبح على ما يرام . إلا تفهم . سيعود ولكن الحصان قد مات ، وأنت الذي قتلته ! كأنك لم تفعل أي شيء ! "
" لاشيء ؟ ألا تفهمين إنني أصبحت الآن بلا حصان ولا فارس ؟ أتعتقدين انه من السهل علي أن أجد من يحل محله في هذا الوقت من السنة ؟ "
وزار وهو يقبض على ذراعها بقبضة من حديد ثم أضاف :
"علي أن أشكرك على كل هذا ، أنت وحصانك هذا!"
صاحت بسخرية :
" أوه بالتأكيد ، إن الخطأ خطأي ... حسنا لا تقلق سأدفع حساب المستشفى وثمن أي خسارة أو إزعاج سببتهما لك ".
وأجاب كورد :
" بالطبع ستدفعين ... أنت على حق في هذا " .
ثم خفض صوته متوعدا :
" ولكن كل أموالك لن تشتري لك مخرجا من هذه الورطة . ستأخذين مكان كريس ، ولأول مرة في حياتك ستعرفين معنى أن تعملي حتى تسددي دينا ".
سألته ستاسي وجسدها يرتعش من الغضب :
" ماذا تقصد ؟ "
أجابها وفي صوته رنة سخرية عميقة :
" لقد مثلت دور اليتيمة المسكينة فحصلت على الكثير من العطف . أراهن أن قلبك انكسر حقا عندما توفي والدك وترك لك كل هذا المال ".
اخترقت كلماته قلبها كالسكين الحاد ، ولم تقو على الكلام من بشاعة اتهامه لها . وبلا شعور وجدت يدها تصفع خده . وشعرت براحتها تلسعها وهو يركز عليها عينيه
بنيرانها العميقة مرة أخرى .
ضغط على أسنانه وتمتم :
" هكذا تلعب القطة . لقد افلت بفعلتك اليوم ولكن لو كنت مكانك لم حاولت أن افعلها مرة أخرى ".
ثم قال في لهجة الأمر :
" ستبدئين العمل غدا . وعليك أن ترتدي ثيابا عملية مثل الجينز . إننا لا نقيم عروضا للأزياء على الجبال "
تسمرت قدماها على الأرض ، وتساقطت دموع الغضب على خديها وهي ترقب خطوات كورد مبتعدا . وشدت قبضة يدها وهي تحاول أن تجد كلاما تصيح به خلفه ، ولكن
فمها رفض أن يفتح ولم تخرج منه الكلمات أبدا . وقفت في مكانها ترتعش من غضب لا تقوى على السيطرة عليه ، ثم استسلمت تدريجيا للتشنج .وكان كورد قد امتطي
جواده وانطلق في اتجاه بيت المزرعة قبل ان تتمكن ستاسي من ان تحرك من مكانها . ثم اتجهت ببط في نفس الاتجاه وذهنهامشوش بين افكارالكراهية للمزارع والشفقة
علي الشاب المصاب والحصان الميت .
توجهت للمنزل في صمت غافلة عن كل ما يحيط بها . دخل تغرفة نومها وجلست علي السرير تنظر لحاجياتها التي كانت جمعتها لترحل.
مسحت دموع الغضب من عينيها بيد واحدة , وأخذت تستعيد حديثهمامرة اخري , كان من الخطأ أن تهتم بالحصان أكثرمن الانسان , ولكن مقتل الحصان صدمها بقوة
ربما كان من الخطأ أن تتهم كورد بقتل الحصان بوحشية بدون أن تفكر إذا كان في الامكان معالجة الحصان أم لا ولكن ستاسي لم تستطع أن تلتمس له عذرا في هجومه الظالم
عليها بشأن والدها . ثم أنها لم تقل له أبدا أنها يتيمة . صحيح أنها أخبرت آل نولان عن يتمها ولكنها بالطبع لم تحدث أحدا عن المال الذي ورثته ! انطفأالغضب في قلبها
وحل محله شعور قاهر بالأس . كيف تأمل أن تقنعه بأن ما قاله غير صحيح ؟ دفعها اضطراب أفكارها للنهوض , واخذت تذرع الغرفة جيئة وذهابا . وراحت تغلي في
داخلها من فرط استيائها من كورد هاريس.
تري كيف يستطيع أن يجبها علي البقاء رغما عنها ؟ لن يستطيع بالطبع إجبارها علي العمل . ما الذي تعرفه هي بالظبط عن الزراعة ؟ وقفت ستاسي أمام المرأة وفي ذهنها
فكرة تختمر , لن يستطيع أن يمنع رحيلها لأنه ليس موجودا . نظرت إلي بسرعة لساعتها ونظرت للخارج بنفس السرعة . لقد مضي وقتا أطول مما تصورت .
غابت الشمس ولا بد أن كورد تغيب أكثر من ساعتين . إذا ليس أمامها الكثير من الوقت إذا شاءت أن ترحل قبل عودته . وبسرعة بدأت تجمع أشيلءها وتضعها خارج
الغرفة.
بالطبع سيتهمها بالهرب لرفصها مواجهة تحديه , ولكن ليفكر كيفما شاء . لسوءالحظ أنها أرغمت علي قبول ضيافته أثناء مرضها , ولكن لم يعد هناك داع لبقائها أكثر
من ذالك , يكفي أنها عرضت دفع حساب المستشفي حيث يعالج الفتي , وعرضت دفع ثمن الحصان لكورد , أما إذا كانت غير قادرة ماديا علي الدفع فمعني هذا أن
يجدوا طريقة آخري للتغلب علي هذه المشكلة , فهي اعترفت بمسؤوليتها عن حصانها.
وما كادت ستاسي تسرع بارتداء سترتها المزركشة , وتأخذ حقيبتها ثم تخرج من الغرفة حتى سمعتالباب الكبير المصنوع من خشب البلوط يقفل . وقفت كالمخدرة إلي
جانب حقائبها , وأخذت تحملق في الرجل الطويل الواقف أسفل الدرحج . كانت ملامح كورد مختبئة في الظل , ولكن ستاسي استطاعت أن تتخيل الحاجبين الداكنين
معوقودين , والفك الصارم , وفوق كل هذا تخيلت خط الفم المكتئب . وبدت عيناها واسعتين داكنتين من شدة الخوف وسرت القشعريرة في جسدها . لم ينطق أحدهما
بكلمة وازدادت حدة التوتر بينهما .
وقال بصوت خفيض :
" هل أفهم أنك راحلة ؟"
وردت عليه ستاسي بتحد رافعة ذقنها :
" وماذا إذا كنت راحلة؟"
خرج كورد من الظلال ورد عليها ببرود :
" إذا أقترح أن تنسي هذا الأمر ".
ظهرت علي وجهه خطوط جديدة لم تلحظها ستاسي من قبل , ولكنها لم تكن لتخطىء رنة الخشونة في صوته , والقي نظرة آخري علي الحقائب وعليها ثم قال:
"من الأفضل أن تفكي حقائبك ".
وانفجرت ستاسي غاضبة :
" هل تظن حقا إن باستطاعتك الاحتفاظ بي سجينة هنا؟"
نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يجيب :
" أنت مدينة لي , وأنا أضع شروط الدفع".
كان من المستحيل أن تحارب هذا الرجل , وسري اليأس في أوصالها . هزت كتفيها قليلا اعترافا بالهزيمة . وذهب الوهج من عينيها وحل محله اليأس والحيرة .
حاولت أن تقاوم للمرة الأخيرة فقالت :
" لن أبقي في هذه الغرفة ليلة أخري ".
ظهرت في عينيه نظرة من يتسلي قبل أن يشيح بوجهه عنها
" كما تريدين . هناك غرفة للضيوف في الدور الأسفل , استعمليها"
وتوقف برهة ثم أضاف : " ربما كان يهمك أن تعرفي , سيكون الشاب في المستشفي لبضعة أسابيع , وبعد ذلك سيظل بلا نشاط لمدة شهرين ".
شعرت ستاسي بالحرارة تسري في وجنتيها خجلا لعدم اهتمامها بالسؤال عن حالة الفارس المصاب . لماذا كان يستطيع دائما جعلها تبدو في صورة من لا قلب لها ؟ شعرت
بالانكسار فجمعت حقائبها وخطت إلي البهو وتوقفت عند أول باب علي يسارها . كانت في حالة من الضيق لم تسمح لها باستيعاب محتويات الغرفة . الغضب يسيطر علي
كل أفكارها , ولم يكن في أمكانها التفكير إلا في عيني كورد الداكنتين ووجهه بملامحه المحددة . وضايقها هو أن تجعل من نفسها أضحوكة , وتزيد من اعتقاده بأنها
مدللة وأنانية . وكانت ستاسي تعلم أنها لن تلقي منه أية رحمة . كان يتوقع منها أن تحل محل الفارس بغض النظر عن كونها امرأة .
وهمست لنفسها : حسنا يا سيد هاريس . أستطيع أن أتقبل أي شيء تدبره لي لن أطلب الرحمة ,
وفي الصباح التالي ما كادت الشمس تلمس السماء حتى سمعت ستاسي دقة عالية علي بابها . رفعت نفسها علي كوعها وقد غالبها النعاس نظرت من النافذة ثم إلي الساعة
الموضوعة علي الخزانة . ومكثت لمدة دقيقة حتى تذكرت أحداث اليوم السابق فقالت:
" نعم؟"
جاءها صوت كورد من البهو:
" حان موعد استيقاظك , هذا أذا كنت تريدين تناول القهوة والإفطار قبل الذهاب إلي العمل".
لم ينتظر إجابتها بل مشي بخطوات واسعة بعيدا عن الباب , نزلت ستاسي من السرير وكلها إصرار . ولم تكن في حاجة لأكثر من دقائق قليلة لترتدي بنطلونها وقميصها
ثم تجمع شعرها وتربطه خلف عنقها . وداعبت شفتيها الرقيقتين ابتسامة صغيرة وهي تنظر لصورتها في المرآة . يخطئ سيد هاريس إذا ظن أن البنطلون الجينز الأزرق
والبلوزة البسيطة سيقللان من أنوثة مظهرها . لم تستطع إخفاء نظرة السرور في عينيها وهي تشاهد رقة قوامها . تأكدت من وجود قفاز الركوب في جيب سترتها الجلدية
ثم أخذت قبعتها ونزلت إلي غرفة الطعام .
لسوء الحظ لم تجد كورد. فسألت ماريا التي أجابت بأن سيد هاريسانتهي من تناول إفطاره وخرج ليعطي تعليماته للرجال , كان ارتباك ماريا ظاهرا إزاء التغير الذي حدث
في مجريات الأمور , وأخذت ترمق الفتاة بنظرات حائرة . وعندما فرغت ستاسي من تناول الخبز القديد والقهوة أبلغتها ماري أن عليها أن تقابل السيد في الساحة .
عندما وصلت ستاسي للساحة وجدت أن أغلب الرجال قد رحلوا بالفعل , وحمدت الله إذ أنه كان محرجا جدا أن تتعرض لأوامر المزارع البغيض في وجود رجاله .
وتعرفت عليه من قوامه الفارع وهو يخاطب رجلين . كان ظهره في اتجاهها فلم يرها وهي قادمة , ولكن ستاسي كانت واثقة من أنه أحس بقدومها .
حاول الرجلان الواقفان معه تجاهلها . كان أطولهما قامة أكبر من ستاسي بسنوات قليلة , وبدأ عليه الحرج من هذا الموقف . ظل رأسه مطرقا وقبعته تخفي تعبيرات
وجهه عن ستاسي . أما الرجل الآخر فكان أكبر بسنوات كثيرة وكان وجهه مليئا بالتجاعيد وأشبه بالجلد من كثرة التعرض للشمس , حتى أن ستاسي لم تستطع أن تحدد
سنه . وعندما اقتربت من الرجال , قابلها الرجل المسن بنظرة واضحة , ورأت إمارات الشفقة والتعاطف مكتوبة في عينيه اللتين ظهر فيهما الحول في شمس الصباح
. كان عزاء لها أن تجد فيه حليفا.
قال كورد بحدة وهو يدير لها ملامحه الشبيهة بملامح النسر:
" لقد آن أوان وصولك هنا يا ادامز . أريدك أن تذهبي اليوم مع هانك وجيم لتجمعوا قطيع الأبقار من المراعي الشتوية ".
ألقي بأوامره بدون أن ينظر إلي القوام القصير بجواره بأكثر من نظرة عابرة . ثم وجه كلامه للرجل المسن قائلا:
" أية أسئلة أخري يا هانك ؟"
هز الرجل رأسه بالنفي .
" حسنا أركبوا الجياد"ز
بدأت ستاسي في إتباع الرجلين وهما يسيران نحو الحياد المسرجة الواقفة في الناحية الأخرى من الحظيرة , ولكن كورد ناداها فاستدارت لتواجهه, وأخرجت قفازها من
جيب سترتها وبدأت في ارتدائه محاولة تحاشي شعورها بالتوتر كلما واجهته . قالت وهي تنظر إليه في جرأة , وفي صوتها حدة مماثلة لحدة صوته :
" نعم "
لم تستطع ملاحظة تعبيرات وجهه.
لم يجبها وبعد دقيقة قال :
"سيريك هانك كل ما يلزم عمله ".
أجابت وقد تضايقت من نظرة عينيه الفاحصة التي بدأت وكأنها تتغلغل إلي أعماقها :
" حسنا. أي شيء آخر ؟"
" لا حظا سعيدا".
كان صوته ينم عن عدم الاكتراث بعكس رقة كلماته.
تركته ستاسي بسرعة , ومشت ألي حيث انتظرها الراكبان . ناولها هانك عنان مهر صغير . ركبته في صمت ووجهت حصانها ليتبع رفيقيها .
وبعد أن تركوا ساحة بيت المزرعة بوقت قصير سبقها الراكب الشاب تاركا ستاسي وحدها مع راعي البقر المتغضن ... في الظروف العادية كانت تسعد لركوب الخيل
في الصبا الباكر , ولكن ظروف اليوم كانت تشعرها بمهانة الوضع الذي وضعت فيه , ومنعتها كبراؤها من النظر إلي الرجل الصامت السائر بجانبها .
وفجأة جاءها صوت هانك خشنا متسائلا :
" آنسة آدامز ... ليس هذا من شأني وتستطيعين أن تطلبي مني الصمت , ولكن بما أننا سنبقي معا طوال النهار فستغمرنا الوحدة إذا لم نتكلم إلا مع حيادنا . ليس
لي أن أناقش أوامر السيد , ولكن لا أنا ولا أي من الشباب نحملك مسؤولية ما حدث للفتي أمس . سيكون اليوم طويلا علينا فوق صهوة الحياد . وبالذات بالنسبة لفتاة
مثلك من المدينة . ولكن بالطبع سيمر النهار بسرعة أكثر إذا دارت بيننا الأحاديث".
كان انطباع ستاسي واضحا بأن هذا أطول تصريح للرجل . وابتسمت لمراعاته مشاعرها. كان يحاول أن يزيل عنها وعن نفسه الحرج بطريقته البسيطة ,
" أشكرك يا هانك . إني أقدر لك اهتمامك أكثر مما تتصوره".
" حسنا . إني أعمل في هذه الأرض منذ كان السيد يرتدي البنطلون القصير , وقد رأيت أشياء غريبة . ولكني أعترف أن هذه هي المرة الأولي التي أري فيها سيدة
ترعي الماشية . وقد قال لنا السيد أن عليك القيام بعملك بنفسك بدون مساعدة ".
وهز رأسه مرتبكا .
أجابت ستاسي وعلي وجهها نظرة إصرار:
" وأنا أنوي هذا أيضا , إنني لا أعلم شيئا عن المزارع أو البقر , ولكني أستطيع أن أتعلم . علي الأقل أستطيع أركب الجياد كما أن صحتي علي ما يرام "
" حسنا آنستي , أعتقد أنك تستطيعين ركوب الجياد فعلا . ولكن عليك أن ترخي عضلاتك قليلا . إنك لست في معرض للفروسية لذا يجب ألا تهتمي بمظهرك ,
ولو كنت مكانك لما قلت بقرا . عليك أن تقولي ماشية , هذا أكثر أمنا هنا".
ضحكت ستاسي قائلة:
" لقد صححت معلوماتي . قل لي يا هانك , ما الذي سنفعله اليوم بالضبط ؟"
" غالبا سنبحث وسط الأشجار عن الماشية الهاربة من القطيع , ثم نعد القطيع للانتقال للمراعي الصيفية . نقل معظم الرجال جيادهم في الشاحنات للطرف البعيد
للمرعي , وسيصلون في اتجاهنا ومعهم القطيع الأساسي".
" نقلو جيادهم في الشاحنات ؟"
" نعم هذا هو الغرب الحديث الذي ستجدينه . إنهم يفضلون شحن جيادهم في عربات النقل أو المقطورات بدلا من أن يضيعوا وقتا طويلا في الوصول إلي مكان القطيع "
صاحت ستاسي كما لو كانت تكلم نفسها :
"هذه معجزة , إنهم لا يستملون سيارات الجيب في تطويق القطيع "
"منذ بضع سنوات عندما كنا نحاول جمع الثيران والماشية الشاردة أمر السيد بإحضار طائرة هليكوبتر للبحث عنها . لقد تغيرت الأمور . أعتقد أن علينا أن نلحق بجيم "
وسري الدفء في هواء الصباح البارد مع شروق الشمس . واختفي ندى الصباح سريعا من فوق النباتات حينما اخترقت أشعة الشمس الظلال . ولم يكسر حدة الصمت
سوي وقع خطوات الحياد . سار الثلاثة عدة أميال قبل أن يصلوا لأول سور محاط بالأسلاك الشائكة , ثم قطعوا السور حتى وصلوا للبوابة . مكثت ستاسي وهانك
فوق جواد يهما بينما ناور جيم بحصانه حتى صار في وضع يسمح له بفتح البوابة لزميليه . وبعد أن مرا خلال البوابة تبعهما جيم ثم أقفل البوابة خلفه . قال هانك وهو ي
شير للأرض المتسعة أمامهم :
" هذا هو المكان الذي سنبدأ فيه عملنا يا آنسة".
نظرت ستاسي للمرعي الخالي قائلة:
" ولكني لا أري أية ماشية؟"
" هكذا يبدو لك . لو كانت الماشية ظاهرة لنا لما توجب علينا كل هذا العمل . ولكن الأبقار تعرف كل شجيرة وكل مخبأ في المنطقة وهي تنوي البقاء مختفية".
تساءلت في حيرة واضحة:
" ولكني كنت أظن أنكم تربون ماشية أليفة , نوعا من سلالات هيرفورد".
" نعم . ولكننا نتركها وحدها , وقد أصبحت تهاب الآدميين تماما مثل الأبقار البرية ذات القرون الطوال التي كانت ترعي قديما في هذه الأرض.إن الفرق الوحيد بين
النوعين هو أن النوع الحالي لا يبلغ نصف قبح النوع القديم".
ثم أضاف وهو يمر بعينيه عبر الأرض الممتدة:
" عادة نفترق في هذه المنطقة ولكن ابقي قريبة مني لفترة يا آنسة".
ركض الفرسان الثلاثة وكل واحد يبعد عن زميليه خمسين ياردة لليسار , وبدأوا جميعا في مسح الشجيرات . كان العمل في هذا الجو الحار المغبر شاقا علي الحصان
والراعي , ولم تمر فترة طويلة حتى خلعت ستاسي سترتها وربطتها بسرجها . وبدأ حصان ستاسي أيضا يعرق بسبب حرارة الشمس والحركة الدائمة . وجدا رأسين
من الماشية وهما في طريقهما . وعندما انتصف الصباح كان أمامهم خمسة عشر رأسا من الماشية يسوقونها . طلب هانك من ستاسي قيادتها . بينما ذهب هو وجيم
وراء عدد آخر من الماشية الشاردة.
في البداية ظنت أن هانك عهد أليها بالعمل السهل , حتى بدأت تتنفس الغبار الذي أثارته الماشية بأقدامها, لم تستطع حتى أن ترتاح على صهوة الحصان . ففي كل مرة
سمحت لانتباهها أن يتحول عن القطيع كانت هذه اللحظة التي يقفز فيها احد الحيوانات الهرب مرة أخري من القطيع.وكان الحصان بغريزته يجري خلفه ويعيده إلى المجموعة . وفي عدة مرات كانت ستاسي واثقة من أن الحصان سيدور بسرعة قاذفا بها لتطير في الاتجاه الأخر. كانت ساقاها متعبتين من طول أمساكهما بجانبي الحصان , وجسدها مغطي بالغبار والقذارة والعرق الي درجة احست بانها لن تستطيع العمل بقية النهار عل هذا المنوال. وفي كل مرة كان هانك يضيف رأسا جديدا للقطيع , كانت ستاسي تمنع تنهيدتها بصعوبة لأنها تعلمت إن كل رأس من القطيع يستلزم أن يقطع حصانها ضعف المسافة التي كان يقطعها من قبل.
كان حلقها جافا وبه طعم الحصى , و خشيت أن تأخذ رشفة من الماء فيقرر رأس من القطيع الهرب, كانت ستاسي سعيدة لرؤية هانك يركب بجانبها ولكن ابتسامة
الترحيب كانت مجهدة. لم ينظر أليها مباشرة ولكنها رأت شبح ابتسامة علي وجهه.
تمتم في الهواء النقي:
"انه حقا عمل شاق أن يركب المرء حصانه كل هذه المدة وسط الشجيرات الكثيفة . سنصل إلي صهريج الماء حيث نلتقي بالعربة المطبخ لتناول الغداء. اعتقد انك
تحتاجين لقسط من الراحة؟"
أجابت ستاسي وهي تشعر بشفتيها تشققان بينما تتكلم :
"لا مانع من الاعتراف بهذا يهنك"
ثم أضافت وهي تربت بحنان علي رقبة الحصان:
" اعتقد انه يحتاج أيضا للراحة "
"كاد عمله اليوم أن ينتهي"
هتفت ستاسي وقد استرعي انتباهها شيء ما إلي اليسار:
"أوه. انظر. أليس هذا جيم قادم , ويبدو أن معه عجلا رضيعا يحمله علي سرجه"
التقي بهما جيم ومعه عجلا ابيض الوجه يرقد بالعرض على سرجه وأمه تـتبعه وهي تخور مهدئة صغيرها , هتفت ستاسي :
ط لإنه لطيف . كم عمره ؟"
أجاب جيم وخجله باد عليه وبدون أن ينظر مباشرة إلي ستاسي برغم فخره باهتمامها لما وجد :
" وجدتهما وسط الأشجار . لم يكن في استطاعة العجل اللحاق بنا , ففكرت أن أخذه معي حتى عربة العجول".
سألت ستاسي وقد تحول انتباهها عن الوجه الأبيض:
" عربة العجول؟ ما هي؟"
أجاب هانك وقد سره اهتمام ستاسي بالعجل:
" هناك عادة بعض الصغار التي لا تستطيع اللحاق بالقطيع , ولذا نضعها في مقطورة حتى نصل إلي مكان المبيت حيث تنظم لأمهاتها , خذ العجل الصغير يا جيم .
سنصل بعد قليل ".
سألت ستاسي وهي ترقب جيم الذي يسبقها علي حصانه :
"أهذا ما يدعي دوغي أي عجل رضيع؟"
أجاب هانك :
" لا . أن الدوغي هو عجل بدون أم , ولكن الكثير من الناس يطلقون اسم دوغي علي العجول ".
علقت ستاسي وهي مستمتعة بحديث راعي البقر الخبير:
" لقد استقرت الماشية كثيرا . لابد أن السبب هو وجودك هنا . قبل ذلك كانت تتجه أحدي الأبقار كل خمس دقائق في اتجاه مختلف"
" لا . لست أنا السبب . أنها تشم رائحة الماء . فنحن نسير بالصدفة في الاتجاه الذي تريده"
بلغت الماشية والراكبان قمة مطلع في الأرض ثم وصلا إلي هضبة مرتفعة مغطاة بحشائش طويلة وشجيرات , واستطاعت ستاسي أن تري أمامها صهريج الماء وطاحونة
الهواء وخلفهما سيارة ستيشن وبعض سيارات البيك أب والمقطورات .عبرت وجهها نظرة دهشة وهي تقول:
" أهذه سيارة المطبخ ؟"
أفلتت من راعي البقر المسن ضحكة لاذعة:
" قلت لك أن الغرب القديم قد ولي . إنهم يحضرون الطعام من بيت المزرعة وينقلونه بالمقطورة إلي مكان الوقوف في الظهيرة".
ثم أبتسم متابعا :
"أذهبي أنت. لن تذهب الماشية إلي أي مكان غير صهريج الماء . ارتاحي كلما سنحت الفرصة لذلك . سنقضي فترة بعد الظهيرة الطويلة فوق سروج جيادنا".
أمسكت ستاسي بعنان جوداها وأدارته حول القطيع , ثم ركضت في اتجاه العربات المنتظرة , متجهة إلي حيث ينتظر أحد رعاة البقر بجانب الشاحنات . كان هناك عدد
من الفرسان بجانب السيارة الستيشن . بعضهم يتناول طعامه بينما هم البعض لآخر بإحضار طعامه . ولاحظت ستاسي وجود اثنين من المكسيكيين يقومان بتهدئة بعض
الجياد ويستبدلانها بجياد من الشاحنات .ترجلت عن حصانها ببطء , كانت عظامها وعضلاتها تؤلمها لدرجة أنها اضطرت للوقوف دقيقة حتى تستطيع أن تعتاد وجود أرض
صلبة تحت قدميها , لم تكن واثقة من قدرتها علي السير . فمشت بضع خطوات حذرة في اتجاه السيارة حتى عرفت أنها تستطيع الاتكال علي نفسها , فانضمت إلي
الرجال عند سيارة الستيشن حيث كان يوزع عليهم الطعام .
توقف المزاح اللطيف والدمدمة بين الرجال عندما وصلت ستاسي مما أشعرها بعدم الارتياح. كانت مرهقة وجائعة بعد إفطارها البسيط فنسيت وضعها الحرج . وأحمر
وجهها وارتعشت يدها وهي تأخذ طبقا من الطعام ومعه شريحة سميكة من الخبز من أحد الطهاة , وكوبا ساخنا من القهوة من طاه آخر . أاستدارت بعصبية لتبحث عن
مكان مظلل تستطيع أن تتناول فيه الطعام . كانت كل العيون متجهة إليها وهي تستدير , ونظر البعض بعيدا عنها فجأة بينما أخذ البعض الآخر ينظر إليها في جرأة.
جاءها صوت متردد عن يمينها :
"آنستي !"
التفتت ستاسي فرأت جيم يخاطبها :
"تستطيعين الانضمام إلي أذا شئت , فلم يعد هناك الكثير من الأماكن الظليلة".
نظرت لأول مرة في عيني راعي البقر الشاب قائلة:
" أشكرك يا جيم . أعتقد أن منظري يدل علي أني ضالة".
"نعم . يجب ألا تأبهي لهولاء الرجال. إنهم لم يعتادوا روية النساء في المسكر ".
نظرت إليه , كان وجهه شبه بالصبية مما يخدع من يريد تقدير سنه الذي كان في منتصف العشرينات.
سألته ستاسي أثناء تناول الطعام :
" هل تعمل هنا منذ وقت طويل؟"
" أعمل هنا من وقت لآخر طوال عمري . لقد انتهيت من الخدمة العسكرية منذ عامين وذهبت إلي الجامعة ولكني أعمل هنا فترة الصيف لأكسب مصاريف تعليمي".
" ماذا تدرس؟"
" علم الغابات والحفاظ عليها "
" هل تنوي أن تصبح حارسا للغابة ؟"
أجاب مستمتعا باهتمام ستاسي به:
" أرجو ذلك . لقد أقترح سيد هاريس علي العودة للمزرعة , ولكني أفضل ألا أفعل . في البداية كنت سأصبح طبيبا بيطريا ولكني اكتشفت اهتمامي أكثر بالناحية
الزراعية والبيئية ".
قالت ستاسي وفي صوتها رنة مرارة فيما تمضغ قطعة من اللحم :
" لو كنت مكانك لما سمحت لرغبات سيد هاريس أن تتعارض مع ما أريد ".
جاء الرد في صوت خافت ساخر :
" لا . بالطبع لا".
انتفضت رافعة رأسها , وكادت تختنق من قطعة اللحم التي تأكلها وهي تحملق في وجه هاريس . بينما هب جيم واقفا في حرج .
قال وهو يشد علي فكه بقوة مدافعا عن ستاسي بطريقته ضد ابتسامة مخدومه الساخرة :
"كنا نناقش خططي في الدراسة يا سيدي ".
وقفت ستاسي بسرعة حتى تمنع الاستمرار في الحديث نيابة عنها , كان مهينا بما فيه الكفاية أن تضطر للنظر إلي أعلي ... لكورد , ولكن الجلوس تحت قدميه كان
لا يحتمل مطلقا , ونقل كورد هاريس بصره من عامل المزرعة الشاب إلي الفتاة الواقفة أمامه بدون قبعة . قابلت نظرته بجرأة وهي تشعر مرة أخري بأن ثيابها ووجهها
قد كساهما الغبار.
قال كورد وصوته يبين رغبته في إبعاد جيم :
" ربما وددت مراقبة الجياد يا كونورز".
ألقي راعي البقر بنظرة إلي الفتاة الواقفة بجانبه , ابتسمت له ستاسي بثقة أكثر بكثير مما كانت تشعر . كان نبضها مسرعا سرعة مزعجة . وتركها جيم كونورز
رغما عنه واقفين وحدهما بجانب المقطورة.
" يبدو أنك استطعت أن تكسبي لنفسك معجبا !"
قالت ستاسي بصوت لاذع:
"لا تكن مضحكا ! لقد كان مهذبا فقط من الواضح أنه قد تعلم السلوك الحسن ولا أستطيع أن أقول هذا عن أناس آخرين ".
قال كورد متجاهلا أهانتها :
"أرى أنك في حالة جيدة علي الرغم من العمل طوال الصباح "ز
واستند إلي جانب المقطورة لشعل سيكارته . وبلا شعور أمسك بالثقاب حتى برد وهو ينظر طوال الوقت إلي وجه ستاسي المتسخ .
" نعم . قمت بعمل جيد بالرغم من الصعوبات . هل أنت مندهش ؟"
أجاب:
" لا أعتقد أنك تستطيعين عمل أي شيء تقررين عمله . إني فقط أتساءل‘إذا كانت عندك القدرة علي الاستمرار".
مشي إليهما هانك وقد جذبت انتباهه مهرة بنية اللون في الناحية البعيدة من المقطورة , وقال:
" أهلا يا سيدي , هل هذه المهرة التي اشتريتها في الأسبوع الماضي ؟ إنها بالتأكيد حلوة الشكل".
أما المهرة فقد كرهت القيود وأخذت تذرع الأرض في صبر نافد وتجر لجامها . لم تترك عينا كورد وجه ستاسي وقال:
" نعم إنها حلوة !"
شعرت ستاسي بحمرة الخجل تغمرها ولكنها لم تستطع أن تهرب من العينين المسيطرتين .
وسأل هانك :
" هل تعتقد أنها تستطيع الاستقرار في حياة المزرعة؟"
ثم وجه بقية كلامه لستاسي بدون أن يلاحظ أنها لا تعيره الكثير من انتباها :
" لقد دخلت السباق عدة مرات وهي معتادة علي الكثير من الضجة والصخب . تستطيع أن تقول إنها مدللة ".
داعبت شفتا كورد ابتسامة هازئة وهو يرقب أمارات الارتباك واضحة علي وجه ستاسي وقال:
" من الصعب أن أجزم يا هانك ".
استمر راعي البقر الكهل في الكلام وهو يهز رأسه :
" بالتأكيد إنها تبدو متعبة . ستحتاج للكثير من الصبر حتى تتغير طريقة تفكيرها".
قال كورد ضاحكا :
" بالطبع ستحتاج للصبر , ستحتاجه . حسنا يجب ألا أعطلكما أنتما الاثنين عن عملكما أكثر من ذلك . سأراكما فيما بعد ".
هز رأسه لستاسي , ثم ربت بود علي ظهر الحصان , ومشي بخطوات واسعة نحو المهرة المربو طة وعلي وجهه تعبير سرور مكتوم . فك لجام الحصان
وقفز بسهولة فوق السرج , ولم ينظر في اتجاههما وهو يوجه الحصان نحو مجموعة من الركاب يتحدثون وهم يشربون آخر قدح من القهوة . لم تسمع ستاسي
حديثهما ولكنها فهمت أنه يأمرهم بالعمل لأنهم تفرقوا بعد وقت قصير , وساروا إلي حيث ربطت جيادهم .
لمحت جيم من طرف عينها يمشي قائدا حصانين وأعطاها لجام حصان كبير ذي أنف روماني . وأحست ستاسي بأن جيم كان محرجا لتركها بين براُن كورد ,
ولكنها في تلك اللحظة كانت تري الوجه الذي لوحته الشمس واضحا في ذهنها , والضحكة اللذيذة الصادرة من الحلق ترن في أذنيها . وركبا في صمت
وانضما إلي هانك ليبدوا عمل بعد الظهيرة.
***
*****
" تجري الرياح بما لا تشتهي السفن " هذه الحكمة البليغة , كثيرا ما توقع الإنسان في لعبة التحدي , فيقطف نتائج لم يكن يتوقعها .
لم تجري الرياح في تكساس كما اشتهت ستاسي الجميلة التي هجرت حياة المدينة بحثا عن الوحدة في أقاصي الجبال. وأرادت الهرب من ذكري مقتل والدها الرجل
الوحيد في عالمها.
فهل تجد السلوى والأمان مع رعاة البقر في مزرعة كورد هاريس , الذي أذاقها ألوانا شتي من العذاب والألم, حتى أنها تمنت موته ؟
أنها ضعيفة الأعصاب ولا تتحمل تعقيدات كورد بعدما صدمته ليديا , التي هجرته لتتزوج من رجل آخر.
الثروة التي ورثتها عن والدها , هل تحقق لها السعادة والطمأنينة ؟ أم اعترافها بحب كورد المزارع المتسلط الشرس , سيكون خشبة خلاصها من الأوجاع المحيطة بها؟
رياح الحب وحدها توصل سفينة القلب إلي شاطئ الأمان...
وأمام ستاسي أما أن تنصاع لحب كارتر المحامي الشاب فتنجو بنفسها ...أو البقاء في مزرعة الدموع!
***************
-1-
كوخ في تكساس
حدقت ستاسي من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة ,وأفلتت منها تنهيدة خافتة
وهي تترك الستارة لتستقر مكانها , وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب :
" سيد ميلز , كنت صديقا لأبي وتستطيع أن تفهم أكثر من أي شخص آخر , لماذا ينبغي علي الرحيل وحدي لإعادة ترتيب أموري .ما الفرق بين أن يتم هذا في
شقة في نيويورك أو كوخ في تكساس؟"
"سبب رغبتي في أن تعيدي التفكير في رحيلك هو كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه"
"أنا لا أحاول الهروب , ولكني أحتاج لبعض الوقت لأري إلي أين أنتمي ".
" اسمعي ياستاسي , أية فتاة مكانك كانت ستذهب إلي أوربا أو الجزر . أنت فتاة ثرية الآن , أستطيع أن أفهم أنك غير سعيدة بطريقة حصولك علي المال ,
ولكن وفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف علي الرغم من صعوبة ذلك . كنت دائما مستقلة إلي درجة العناد , ولذلك لا أري سببا لا إصرارك علي دفن
نفسك في الريف ".
نظرت ستاسي آدامز في تردد إلي كارتر ميلز الأب وهي تتساءل كيف تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب . لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته.
أبوها ...وقفت الكلمة في حلقها , ونظرت إلي ثوبها الأزرق ويديها المعقودتين بشدة في حجرها . توفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة , تاركة لزوجها الرحالة
مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة . أما جوشو آ دامز فقد رفض عروض الأصدقاء الكريمة بالعناية بستاسي وملأ حقيبة بلوازم الأطفال , واخذ
طفلته ذات العام الواحد في مهمته التالية في الخارج , وكانت الحياة بالنسبة إلي الأب والابنة , عبارة عن رحلة طويلة حول العالم , تتخللها فترات راحة قصيرة في
نيويورك لالتقاط الأنفاس قيل السفر مرة آخري , إلي حيث يبني الأب شهرته كمصور يعمل لحسابه.
ومرت الذكريات الحبيبة نابضة في ذهن ستاسي ... عيد ميلادها السابع عشر منذ ثلاث سنوات , عندما هرب والدها جروا في أحد فنادق نيو أورليانز الفاخرة وأطلق
علي الجرو اسم كاجون تكريما لمكان مولده في جزر الهند الغربية .ونما الجرو الشقي , بسرعة حتى أصبح كلبا من نوع الراعي الألماني , وتعلق بسيدته تعلقا شديدا ,
وتنبأ أبوها بأن كاجون سيحميها كالملاك الحارس. تري هل كان يعلم أنه على حق , لأن كاجون هو الذي سحب ستاسي وهي في غيبوبة, من حطام الطائرة المستأجرة
قبل أن تشتعل فيها النيران . أما أبوها والطيار فلم يتمكنا من الخروج.
حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة , ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية . وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة علي السقوط والتوت شفتاها في ابتسامة
متألمة :
"إني أسحب كلامي يا ستاسي , ربما عاونك الرحيل علي مواجهة مشاكلك".
ثم وقف كارتر ميلز واتجه إلي ستاسي قائلا:
" ولكن تذكري أنك مازلت شابة صغيرة في العشرين, وأمامك الدنيا كلها . لم يكن ليرضي والدك أن يفوتك منها أي شي خيرا كان أو شرا".
أمسكت ستاسي بيديه الممدودتين ,ووقفت وثوبها الأنيق يظهر رشاقتها قائلة
"كنت أعلم أنك ستفهم سبب إقدامي على هذا "
"هناك على الأقل شاب أعرفه لا يسره رحيلك ولا يمكن أن تلومي ابني لرغبته في اصطحابك للأندية الراقية و لن تقولي أنك لا تنتمين إلي هذه الأماكن بعد الإرث الذي ورثته
عن والدك"
" اخشي أنني لم أتقبل بعد كوني ثرية . فمن قبل كنت سعيدة لمجرد وجودي مع أبي , نسافر إلي حيث تأخذنا الرياح .ربما ورثت حبه للسفر . هناك مع كاجون وديا
بلو وأميال من الفضاء الشاسع أستطيع أن أحدد مستقبلي"
"هل ستأخذين هذا الحصان المجنون أيضا ؟ كنت أرجو أن تبيعيه منذ مدة .انك ترتبكين خطأ جسيما باصطحابه".
"ديابلو ليس شريرا وجامحا كما تعتقد . انه شديد الحساسية فقط وأنت تعلم أنني فارسة ممتازة , وما كان أبي ليسمح لي باقتنائه , لولا اعتقاده أنني أستطيع قيادته "
" أعرف هذا , ولكنني واثق أنه لم يخطر بباله أبدا أنك ستأخذين هذا الحصان معك إلي البراري "
"لا أنا متأكدة أن والدي كان يأمل أن أستقر , وآخذ مكاني في المجتمع كما يقال , ولكني لست مستعدة لهذا بعد , وربما لا أستعد لهذا أبدا . من يدري ! والآن
ينبغي لي أن أذهب"
"ماذا ستفعلين بالشقة أثناء غيابك ؟"
"قررت أن أحتفظ بها معلقة , بدلا من أن أتنازل عنها "
"نحن دائما نرحب بك في بيتنا كما تعلمين, وإذا احتجت لأي شي لا تترددي دقيقة واحدة في طلبه"
" لن أتردد. وسيصطحبني ابنك كارتر غدا للعشاء كآخر اتصال لي بالمدينة . فهو يعتقد أنني ذاهبة الي مجاهل إفريقيا المعتمة"
وابتسمت ستاسي وقد أثر فيها اهتمام المحامي وأضافت :
"أشكرك علي كل ما فعلته من أجلي يا سيد ميلز".
استقلت ستاسي المصعد, ولاستغراقها في خططها للمستقبل لم تلحظ نظرات الاهتمام في عيون ركاب المصعد الآخرين . كانت تبدو لأول وهلة متوسطة الجمال , ولكن
النظرة المتأنية , تلحظ شعرها البني اللامع ,يحيط بوجهها البيضاوي , وعينيها البنيتين الداكنتين بأهدابهما الكثيفة , ولو أن الحزن كان يضللها هذه اللحظة ,
مما يضفي علي مظهرها هالة مشرقة نظرة .
وصلت ستاسي للمبني الذي تقطنه ,واستقلت المصعد للطابق الخامس ,وغمرتها الكآبة وهي تفتح الباب . استقبلها كلبها بفرحة غامرة , فقالت بابتسامة حزينة وهي تنظر
لعيني الكلب المليئتين بالحب:
"كاجون أيها الوحش ... هل افتقدتني ؟ ماذا عساي أن افعل لو لم تكن هنا؟ "
أخرجها جرس التليفون من أفكارها فأجابت:
"نعم !"
وجاء صوت الرجل علي الطرف الآخر:
" ستاسي! أنا كارتر قال أبي أنك خرجت قبل وصولي مباشرة"
" لقد تركت المكتب حوالي الرابعة".
"كيف تسير أمورك كلها؟"
"بخير , كنت علي وشك الانتهاء من حزم حقائبي لولا بعض الأشياء الصغيرة ".
وأضافت ضاحكة : " وضعت بعض الفساتين إلي جانب ملابس الركوب . فأنا أنوي الحياة كما ينبغي في مدينة لرعاة البقر".
قال ساخرا:
" لن أعترض . طالما أنك لن تلتقي بشاب اسمر طويل من رعاة البقر، ثم تنطلقا علي حصانه ألامين"
"لا تقلق، لم يعد رعاة البقر كسابق عهدهم، ففي أخر رحلة لنا في الغرب لم أصادف إلا رجالا في منتصف العمر، لوحتهم الشمس ولهم اسر يعولونه"
هل ستقودين سيارتك إلي هناك"
"سأذهب أنا وكاجون،أما دايبلو فسيأخذ القطار حتى بيكوس وهناك أخذه ونواصل الرحلة إلي ماكلاود، وبما أن الكوخ علي بعد ثلاثين ميلا من هناك، فلن أكون بعيدة جدا عن
المدينة".
"يسعدني أنني لن أذهب إلي هناك , فالعزلة تضايقني ولا أفهم كيف تستطيعين البقاء هناك لأكثر من أسبوع . ما الفرق بين جبل وآخر ؟"
"ربما كنت علي حق , ولكن علي أن أكتشف هذا بنفسي ".
"لن أستطيع أن أثنيك عن عزمك , أليس كذالك ؟ اسمعي , إن لدي عملا الليلة فلن أستطيع أن آتي إليك, ولكن موعدنا غدا مساء في السابعة تماما . موافقة ؟"
"موافقة".
" إذا . سأراك غدا ".
"إلي اللقاء ياكارتر".
شعرت ستاسي بالفراغ والوحدة بعد المكالمة , ولكنها لم تستسلم لأحزانها , وراحت تكمل حزم حقائبها.
في الليلة التالية كانت ستاسي تثبت قلادتها المرصعة بالعقيق , عندما رن جرس الباب. ونظرت للمرة الأخيرة إلي المرآة . كان ثوبها بلون الخوخ مفتوحا عند الرقبة
علي هيئة الرقم 7 , مما يبرز لون بشرتها البرونزية التي لوحتها الشمس , وجمال شعرها بأطرافه الذهبية والمصفف علي الطريقة الإغريقية . طلت شفتيها بطلاء
لامع بلون الخوخ وارتسمت علي وجهها ابتسامة راضية.
عندما فتحت الباب لكارتر كانت عيناها تؤمضان غبطة .وقالت :
" هل جعلتك تنتظر طويلا؟"
أمسك الشاب الأشقر الطويل بيديها وعيناه الزرقاوان تحييانها ببريقهما الخاص:
"هل أقول لك ما تعرفينه بالفعل ؟ما كنت لأعترض علي الانتظار أكثر من هذا , لو علمت بالمنظر الذي سأراه".
ثم وضع شالها علي كتفيها قائلا :
"هل نذهب ؟ حجزت مائدة في الساعة الثامنة بنادي ميدو وود الريفي".
"رائع!"
أخذا يتحدثان طوال الطريق إلي سيارته حتى ركبا فصمتا لانشغال كارتر بالطريق ,نظرت ستاسي إليه ... كان شابا وسيما بشعره البني الفاتح وعينيه الزرقاوين
الصافيتين . كان يكبرها بست سنوات وبدأ عمله
كمحام بمكتب والده. إن كثيرين من معارفها يعتبرون كارتر عريسا مثاليا , ولكن لم تكن بينهما أية تصريحات بالحب , أو أية وعود . كانت ستاسي تبعث لكارتر
بطاقات بريدية طريفة عندما كانت تصاحب والدها في أسفاره , وتتصل به عند عودتها ,
وكارتر يلتقي بفتيات أخريات في غيابها , ولكن ليس بانتظام كما كان يفعل مع ستاسي . وسعدت أسرتاهما بهذها لعلاقة النامية , أملا في أن تؤدي إلي الزواج.
ابتسمت ستاسي وهي تراقب يديه الماهرتين وهو يوقف السيارة في مكان الانتظار . لم تكن علاقتهما علاقة أخ بأخته , ولكنهما لم تكن أيضا علاقة عاطفية يدق لها قلباهما
,كانا يستمتعان بوجودهما معا في انتظار أن يأتي الحب يوما ما , فيتزوجها كما كانت تعتقد , وبما أنهما متفقان فسيكون زواجا سعيدا , ولكن ليس الآن . وفكرت
ستاسي : ثم إنني مازلت ساذجة , لدرجة أني أتمني حبا يحلق بي فوق الأرض حتى وإن كان هذا لا يحدث إلا في الأساطير.
قال كارتر ضاحكا وهو يمسك بباب السيارة المفتوح حتى تخرج:
"أيتها الحالمة . ألن تخرجي من السيارة ؟ "
" آسفة لقد كنت في عالم آخر".
قال مبتسما وهما يدخلان النادي :
" إذا عودي منه , إن الليلة ليلتي , وأنوي أن أستغل هذه الفرصة إلي أقصي مدى".
أحاط خصرها بخفة , وهو يفتح لها باب النادي المزخرف . وطلب كارتر المشروبات . بينما أخذت ستاسي تنظر إلي الأثاث الفريد، حيث زينت الجدران بجلود الفهد
والحمار الوحشي مما يوحي بجو الغابة. ونظرت ستاسي إلي كارتر، فوجدت الكآبة بادية على وجهه، فعاتبته قائلة:
"لم هذه الكآبة؟ كنت أظن أننا نحتفل الليل"
"أسف، كنت أفكر في الإجازة التي ستقومين بها. إن أبي ليس مسرورا بشأنها، ولا أنا أيضا. وإذا حدث لك شي في ذلك الكوخ المنعزل فستمر أسابيع قبل أن يكتشف
هذا أحد"
" أرجوك لا داعي لهذا الكلام الليلة لقد قررت الذهاب، وهذا كل ما يمكن أن يقال. يبدو أ، كل الناس يعرفون مصلحتي أفضل مني"
" الم يخطر ببالك أنهم علي حق هذه المرة؟ تظنين أن باستطاعتك التغلب علي اية مشكلة لأنك سافرت حول العالم، ولكنك لا تملكين من الخبرة أكثر من أي فتاة ريفية، كل
ما أراك والدك هو الدنيا من الجانب ألأمين كما تراه عدسة المصور، وليست لديك أية فكرة عن الحياة بمفردك".
" لقد رأيت الحرب والمجاعة من وجهة نظره , أيقلل هذا من تلك الحقائق ! إنني أعرف معني الحياة , وأعرف مالذي سأفعله بحياتي , ولست بحاجة لمزيد من
المناقشة".
" ألن تكفي عن عنادك وتستمعي لصوت العقل؟"
"قلت لك إن الموضوع منته"
قال بخشونة بينما الفرقة الموسيقية تشرع في العزف:
"إذا فلنرقص"
أخذ يرقصان وهما واجمان .ولكن ستاسي ضحكت قائلة :
"كارتر ... إنني آسفة . لم أكن أقصد أن أفقد أعصابي , أرجوك لندع الجدل جانبا الليلة".
ابتسم وقال:
" حسنا . سنعتبر الموضوع منتهيا ونستمتع بأمسيتنا معا ".
قدم لهما العشاء , وبعد أن فرغا منه قالت ستاسي :
"كانت وجبة لذيذة".
ولكن الصحبة أكثر لذة ".
أشكرك ياسيدي العزيز".
"أتودين البقاء هنا لنرقص أم نذهب لمكان آخر؟"
" أفضل البقاء هنا , فالجو الهادئ يروقني".
"وأنا أيضا , لأني أريد أن أحدثك في بعض الأمور".
" أرجوك لا تلق علي محاضرة أخرى عن رحلتي . لقد وعدتني بألا تناقش ذهابي إلي تكساس".
"وأنا أنوي أن أفي بوعدي . إن هذا الموضوع مختلف تماما. لنذهب الآن للرقص".
أخذا يرقصان علي نغمات الموسيقي البطيئة , ونظر إليها كارتر بابتسامة رقيقة قائلا:
"هل تذكرين ما قاله لك والدي بعد جنازة والدك , أنك واحدة من عائلتنا؟"
قالت ستاسي وهي تبادله نظرته الجادة:
"نعم".
"وأنا أريد أن يكون هذا رسميا ,أريدك أن تصبحي زوجتي , لن أحاول منعك عن رحلتك , ولكن عندما تفكرين في المستقبل دعي تفكيرك يشملني ... ستاسي
... أنا أهتم بك... أحبك وأريد أن أرعاك بقية عمري . لم نتكلم عن مستقبلنا من قبل وقد آن الأوان لهذا .كنا صغيرين . كان أمامي أن أنتهي من دراسة
القانون ,وكان أمامك أن تكبري وقد تم هذا لآن , فلنبدأ في التخطيط لبقية عمرنا".
"كارتر ... لا أدري ماذا أقول , ولا أدري إذا كنت علي استعداد للاستقرار ,لا أدري!"
"لا تقولي شيئا. أعلم أن كلامي يأتي بعد وفاة والدك بفترة وجيزة، ولا شك انك مضطربة، فلن أطلب منك ردا الآن .عندما أري أنك مستعدة سأعيد طلبي بالطريقة اللائقة،
وحتى ذلك الحين أطلب منك فقط وأنت في جبال تكساس أن تتذكري حبي لك ورغبتي في أن أتزوجك" .
فكرت ستاسي في هذا العرض، كان يجب أن لا يدهشها، ولكنها دهشت علي الرغم من سابق تفكيرها في هذا الموضوع.
واستمرا في الرقص حتى انتهاء الأغنية وعادا لمائدتهما. قال كارتر:
" لقد ذكرت أنك ستشحنين دايبلو إلي تكساس. ألا تأخذين حصاني الرمادي؟ انه أكثر هدوءا من شيطانك الأحمر".
قالت باسمة:
" أشكرك على هذا العرض ولكني لا أتوقع أن، يسبب لي دايبلو مشاكل كثيرة. ثم إنه في الطريق إلى بيكوس الآن ولذا سألتزم بترتيباتي الأولى".
سألها:
"في أي وقت تزعمين الرحيل غدا؟"
" آمل أن أرحل ظهراً"
""إن الوقت الآن متأخر، ولا أريد أن أحرمك من راحتك. سيكون أمامك الكثير من التفكير الليلة. أو هكذا أتمني".
لم يتحدثا كثيرا في الطريق لبيتها، وعندما وصلا نظر إليها كارتر قائلا:
"لن أتمكن من المجئ غدا لوداعك، وأتمنى لك حظا سعيدا الآن. سأتركك هنا يا ستاسي، عودي لبيتك سريعا".
نظرت ستاسي للشاب النحيل القوي وهو يذهب وشعرت بفراغ وبرودة في قلبها.اتجهت للمصعد ثم دخلت شقتها بهدوء وهي تتساءل عن صحة قرارها بترك البيت و ألأصدقاء
الوحيدين لها.
بعد ساعة غلبها النعاس وهي مصممة مرة أخري علي المضي في خطتها بالرحيل إلي تكساس.
***
-3-
لا لن نتفاهم
مضى يومان منذ وصولها , قضت اليوم الأول في إخراج حاجياتها من الحقائب وترتيبها . وكان عليها أيضا أن تنظف السيارة والمقطورة . وفي المساء ركبت حصانها
للتريض في المرج حتى تعوده علي المناخ الجديد . أما اليوم الثاني فقضته في استكشاف الجبال الشرقية.
وقد خلبت المناظر الطبيعية لبها . لم تقطع هذه المسافة أبدا من قبل, بدون أن تلتقي بأية علامة للمدينة ,فيما عدا بعض قطعان الماشية في الوادي . ومن العجب أن
الأمسيات مرت بسرعة بالنسبة للفتاة . فهي تجلس في الشرفة حتى يختفي الضوء , بعد أن تعد طعامها وتطعم الحصان والكلب.
ولأول مرة منذ أسابيع تشعر ستاسي بالسكينة بين الطبيعة الصافية في الوادي حتى اختفي قلقها وحزنها . لم يعد هناك شيء يهم إلا أن تحيا ... كانت علي صواب عندما
عزلت نفسها عن بقية الناس . ولكن جزءا منها لم يكن يريد الذهاب بالرغم من انه كان عليها أن تفعل ذلك.
وفي الليلة السابقة كانت قد كتبت رسالة إلي كارتر تخبره أنها وصلت بسلام وبدأت في الاستقرار . وفي هذا الصباح كانت تنوي أن تركب حصانها بحثا عن صندوق بريد في
إحدى المزارع , حتى لا تضطر إلي الذهاب للمدينة لإرسال الرسالة . ولم تلحظ أية صناديق بريد عند مجيئها , ربما بسبب تركيزها علي الطريق.
دخلت الحظيرة وأخذت اللجام ثم اقتربت من الحصان الأحمر الذي بدأ يتراجع أمامها ز وتجاهلت علامات الغضب البادية عليه , وقالت وهي تقترب منه:
" حسنا يا ديابلو و لا تكن صعب المنال , الصباح أجمل من أن أضيعه في السيطرة عليك".
وقف الحصان متضايقا وهي تكلمه برقة .مدت يدها له ومد هو أنفه إليها بتردد, ثم نفخ برقة في يدها واستسلم لها وهي تلجمه وتسرجه . كان رد فعله للسرج يختلف
في كل مرة , فتارة يقبله بهدوء , وتارة يتصرف كحصان صغير لم ير سرجا من قبل . وصفرت لكاجون , ليتبعها وركبت الحصان في اتجاه الطريق العمومي .
كانت أشعة الشمس تسقط علي ظهر الحصان النحاسي وتبرز بياض رداء الراكبة . وأخذ كاجون في فحص علامات الطريق , بينما انطلقت ستاسي علي الحصان في
اتجاه المدينة ز وعندما أبطأت من سرعة الحصان لم يعجبه هذا فحاول التخلص من اللجام . وصارعت للسيطرة عليه حتى فاتها النظر إلي المناظر الطبيعية حولها .
بيما الحصان يشب للخلف لاحظت أن السرج ينزلق من علي ظهره.
أوقفت الحصان , ونزلت . ولكن الحصان هاج وأخذ يضرب برجليه مانعا ستاسي من الاقتراب منه , وبينما كانت منهمكة في كبحه لم تلحظ اقتراب سيارة منها ,
فالتفتت ولكن الحصان مر بجانبها فأسرعت تشد اللجام.
أثارت ضجة السيارة ثائرة الحصان أكثر حتى استاحلت السيطرة عليه . حاولت ستاسي منع ديابلو من الانفلات وكانت تعلم أنها لن تستطيع الإمساك به أبدا إذا هرب في
هذا الفضاء الواسع أمامها.
ونظرت ستاسي بطرف عينها فعرفت الرجل الأسمر , ذا القوام الفارع الذي خرج من السيارة واتجه إليها , أنه كورد هاريس من بين كل الناس وآخر شخص تود رؤيته
الآن.
قال بصوت خفيض:
"يبدو أنك تواجهين بعض المشاكل يا آنسة آدامز؟"
قالت ستاسي في تهكم وهي تتنفس بصعوبة بسبب مجهود الإمساك بالحصان:
"يا لها من ملاحظة ذكية!"
أخذ الرجل منها اللجام وأشار لها أن تتراجع للخلف . جدد ديابلو معركته من أجل الحرية عندما رأي الرحل الغريب , ولكنه لم يستطيع مقاومة كورد الذي أمسك اللجام
بقوة حتى استقر الحصان علي أرجله الأربع , وبدأ يهدأ.
نظرت ستاسي لكتفي الرجل العريضتين بعضلاتهما القوية تحت سترته , وراقبته وهو يمر بيده علي عنق الحصان . لم تكن تتصور أن هناك من يستطيع أن ينتصر في
صراع مع هذا الرجل القوى . في هذه اللحظة استدار لها كورد , والتقت عيناهما . وعلي الرغم من محاولتها لم تستطع منع نفسها من النظر في عينيه الداكنتين اللتين
تشعان نار عميقة وغريبة. وكسر هو حدة الصمت قائلا:
" أنصحك بشراء حصان آخر . فمن الصعب علي فتاة صغيرة مثلك السيطرة علي مثل هذا الحصان "
" أشكرك ولكني لم أطلب نصيحتك ولا معاونتك".
"لم يبد لي أنك تقومين بمهمتك بمهارة , ولكن ربما كنت مخطئا ".
قالت وهي تشير إلي سيارته الأنيقة ذات اللون الذهبي والبني :
" كنت علي وشك السيطرة عليه , لولا مجيئك في هذا الشيء المزعج الذي زاد من ثورته".
"لم أكن أدري أنني يجب أن أستأذنك عندما أسوق سيارتي في طريق عام. إذا كان حصانك يخاف السيارات لا تركبيه حيث يتحتم أن يلتقي بها ".
وشعرت أنه أدي لها صنيعا , ولم تتصرف بلباقة فقالت بمرارة:
" آسفة . كان يجب ألا أقول هذا , إنه عصبي المزاج في بعض الأحيان مثل هذه المرة".
" أرجو ألا يحدث هذا كثيرا , وإلا وجدت جثتك في مكان ما بين الجبال , عندما يلقي بك ثانية".
" إنه لم يلق بي ,أنا التي نزلت لأصلح وضع السرج ".
نظر إلي السرج في عبوس قائلا:
" أعتذر لمهارتك كفارسة , ظنت انك افترقت عنه بطريقة أكثر مأساوية".
ضحكت وقالت:
" لا , ولو أن هذا حدث مرة أو مرتين".
أخذت تلاطف الحصان بينما راح كورد يصلح السرج , ثم استدار لمواجهة ستاسي وشعرت بنظرته واستدارت لتلتقي بها , ولكنه أدار بسرعة قبل أن تري تعبير عينيه .
وعندما نظر إليها مرة آخري لم ينم وجهه عن أفكاره فأشاحت بوجهها فسألها:
"هل كنت تتجهين لمكان معين ؟"
" كنت أبحث عن صندوق بريد".
"صندوق بريد ! وأين ظننت أنك تجدين هذا الصندوق؟"
وعادت إليها كراهيتها لهذا الرجل المتعجرف فدافعت عن نفسها قائلة:
" كنت أقصد صندوق بريد خاص بأحدي المزارع , حيث يسلم رجل البريد الرسائل ويأخذها".
" آسف لتخليصك من وهمك يا آنسة آدامز , ولكن لا يوجد صندوق بريد من هنا إلي المدينة لقد نسيت أن هذه البلاد ينقصها الكماليات التي يعتبرها أهل المدن ضروريات".
قالت بعصبية :
"لم أكن أعرف ذلك . ثم إني لا أعتقد أنه لطيف منك أن تحط من شأن إنسان بسبب جهله بأمر ما".
وواجه غضبها وتحديها بهدوء قائلا:
إنني لا أحط من شأنك , بل أريد أن أنصحك بأنك سترتاحين أكثر إذا عدت إلي حيث تنتمين".
"سيد هاريس ,لا أظن أن انتمائي من شأنك , والأفضل لك أن تبتعد عن طريقي حتى أنال شرف وداعك".
رمقها بغضب وأوشك أن يتكلم , ولكنه أغلق فمه . أما ستاسي فأصرت علي تحديها بالرغم من شعورها بالندم علي كلماتها المتسرعة . وقفا يرمقان بعضهما وفجأة
أخذها المزارع بين ذراعيه .أمسك بها بقوة قائلا بشراسة :
" اسمحي لي أن أعاونك في طريقك".
وأذهلها تصرفه حتى أنها لم تحاول أن تقاومه ,بينما أخذ قلبها ينبض بشدة , وأدركت انها تلعب بالنار بتحديها لهذا الرجل. ووضعها بلا مجهود علي سرج الحصان
ورمي لها حبل اللجام . فامسكت به , ونظرت إلأي عينيه المتوهجتين.
وقال باستهزاء :
" هذا ما أردت . أليس كذلك ؟"
ردت عليه بعد أن استعادت هدوءها:
"كما قلت من قبل يا سيد هاريس , أنا لم أطلب مساعدتك".
"إن الناس هنا لا يطلبون أي شيء . إنهم إذا أرادوا شيئا يفعلونه ".
أحس ديابلو بالتوتر بينهما وأخذ يتراقص . لم تجب ستاسي لاعتقادها بأن أي شيء تقوله سيزيد من حدة الموقف . ولم تشأ أن تثير غضبه مرة آخري لخشيتها من العواقب
. واستجمعت رباطة جأشها بقدر الامكان وأدارت الحصان حول قوامه المهيب , وشعرت بعينيه تنظران لها وهي تعود بالحصان من حيث أتت . لقد كواها شعورها
بالمذلة ,ولكن كبرياءها منعتها من الإسراع في انسحابها.
منعت نفسها بصعوبة من النظر ألي الخلف، ثم سمعت باب السيارة يقفل والمحرك يدار فأسرعت بدون توقف حتى وصلت إلي الكوخ. وتحول شعورها بالهوان إلي غضب
جارف. بأي حق يعاملها هكذا؟ كان يتصرف كما لو كان من حقه أن يملي عليها ما تفعل, وأزاحت سرج حصانها بإهمال غير معهود, ثم جلست في الشرفة وهي
ممتعضة. وأقشعر بدنها عندما تذكرت ما حدث. لو أنها قاومته, أو حتى شدت شعره الداكن أو خدشت وجهه! إنها لن تسمح لنفسها أن تضعف أمامه مرة أخري, وأقسمت أنه تقول له رأيها فيه بصراحة عندما يلتقيا مرة أخري
لم تهدأ كبرياؤها الجريحة, علي الرغم من جمال الطبيعة حولها. كان الوقت ظهرا ولكنها فقدت شهيتها للطعام فأخذت ثوب البحر وذهبت للجدول القريب من الكوخ .
غطست في الماء وكاجون ينتظرها ويحرسها في ظل شجرة قريبة . وبعد حوال ساعة خرجت من الماء وجلست مسترخية إلي جوار كلبها . هدأت أعصابها بعد مجهود
السباحة , ولكن كراهيتها للمزارع المتعجرف بقيت كما هي . وفكرت في العودة لنيويورك ولكنها تذكرت نصيحة كورد هاريس بالعودة فلم تشأ أن تعطيهما أراد ووقفت
قائلة:
"سوف نبقي يا كاجون . وأكثر من ذلك سوف نستمتع ,لن نتجنب مزرعة سيد هاريس حتى لولم يعجبه هذا , وغدا سأذهب إلي المدينة لأرسل الرسالة قبل أن يبعث
كارتر بفرقة للبحث عنا".
عادت للكوخ وقد ارتفعت روحها المعنوية , وعلت وجهها إمارات الرضي . كانت متأكدة من أنها لن تدع كورد هاريس يتغلب عليها في أية مواجهة مقبلة بينهما.
وفي الصباح التالي تأخرت ستاسي في نومها فأيقظها كاجون. ارتدت ثيابها واعدت قهوتها. وأسرعت بإطعام الكلب و الحصان , وأمرت الكلب بالبقاء في الكوخ.
ثم أستقلت الجاكوار إلي الطريق العام.
أسرعت في طريقها للمدينة، ولكن هذه المرة استطاعت أن تتأمل المناظر حولها. بدت الجبال الحجرية العالية,
كما لو كانت تحاول الوصول من البراري إلي السماء،بينما تغير لون قممها إلي الرمادي الداكن، مبرزة ألوان السهول الخضراء إلي أسفل. كان المنظر يسلب الألباب، بينما
وزعت الأشجار بين الفينة و الفينة كما لو كانت علامات تعجب في الأفق.
مرت ستاسي بالمكان الذي التقت فيه بكورد هاريس بالأمس، فأسرعت لرغبتها في نسيان ذلك الحدث. ولكن روحها المعنوية هبطت فتجاهلت المناظر الطبيعية، وركزت علي
الطريق. كان من الصعب أن تنسي نظرة عينيه القاهرة تنفذ أليها بإمعان وهي علي ظهر الحصان.
بعد نصف ساعة وصلت ستاسي إلي مدينة ماكلاود. كانت الشوارع هادئة من المارة.فأوقفت السيارة أمام مكتب البريد ثم دخلت , وحيت الموظف . وضعت رسالتها
في صندوق البريد , وأوشكت أن تخرج لكنها عادت للموظف قائلة:
"معذرة , هل هناك أية رسائل لستاسي آدامز ؟"
"أنت الآنسة التي استأجرت كوخ نولان ؟ نعم كان لك رسالة ولكني أعطيتها لكورد ليوصلها لك , الم تقابليه ؟ قال انه يعرفك ,وانك جارته".
دهشت ستاسي وقالت :
"أعطيته رسالتي ؟ كان يعلم أنني سآتي للمدينة".
قال الرجل المسن :
"ربما نسي , وربما احضرها لك اليوم , فالناس هنا جيران طيبون".
حاولت التغلب علي غضبها وقالت :
"من فضلك احتفظ ببريدي مستقبلا حتى أتي لأخذه بنفسي".
قال وهو ينظر إليها بتساؤل :
"اجل يا آنستي ".
شكرته بهدوء وخرجت ووقفت وترددت , إذ كان من الذوق أن تذهب للسيدة نولان وتشكرها علي مجهودها الزائد لأعداد الكوخ ,
دخلت محل البقالة فوجدت موللي تتحدث مع شابة حمراء الشعر معها طفلان نشيطان يجران ذيل ثوبها .ابتسمت لها السيدة نولان ابتسامة عريضة . والتفتت إليها الشابة
مبتسمة ابتسامة مرحبة مثل موللي التي قالت وهي تمسك بيدي ستاسي :
" ستاسي .كنت أتسال عن أحوالك ؟ قال كورد أمس انه التقي بك ويعتقد انك بخير".
عضت شفتها حتى لا تعلق تعليقا لاذعا عنك ورد وقالت:
"نعم ,أنني بخير وأحب الكوخ ,قال لي السيد نولان عن مجهودك لوضع اللمسة الأنثوية في الكوخ , وأريد أن أشكرك".
" لا تشكريني فقط اشكري ابنتي أيضا ".
وأشارت موللي للشابة الواقفة بجوارها وأكملت حديثها:
" يسعدني انك جئت لأنني كنت أتطلع للقائكما . ماري هذه هي ستاسي آدامز .وهذه هي ابنتي ماري بوكانان".
ابتسمت الشابة ومدت يدها لستاسي قائلة:
"إنني جد مسرورة للقائك أخيرا . لم يكن هناك حديث لامي إلا عن هذه الشابة الجميلة التي تسكن وحدها في الكوخ , ولكنها لم تعطك حقك".
"أشكرك ,لقد أشعرتني والدتك إنني في بيتي ".
ابتسمت ماري لامها مداعبة وقالت:
"ستظل أمي دائما كالدجاجة الأم التي ترعي الصغار , سواء كانوا كتاكيتها أم كتاكيت غيرها . لابد انك حزرت أن هذين الهنديين طفلاي . هذا جيف وهذا دوغال".
ركعت ستاسي لتسلم علي الصبيين:
قال جيف وهو يتأمل شعرها البني المتساقط حول وجهها البيضاوي الباسم:
"انك جميلة جدا , تكادين تكوني أجمل من أمي".
وضحكت ستاسي وشكرته , ونظرت ماري إلي ابنها الأكبر بغمز وابتسمت قائلة:
" لقد أسرته , أن ذوقه جميل مثل والده".
قالت موللي :
" بالطبع ,ولا تنسي هذا أبدا".
قالت ماري :
" أمي دائما تذكرني بتوفيقي في زواجي كأنه من الممكن إن انسي ذلك . هل أنت في عجلة من أمرك ؟ ألا تأتين لمنزلي لتناول القهوة".
استجابت ستاسي لصداقة السيدة الجذابة :
"سيكون هذا رائعا . إن سيارتي واقفة أمام ..."
"هذا حسن , سرنا إلي هنا والآن سنعود راكبين . أننا نسكن قريبا من هنا ".
قالت موللي:
" أسرعا كلاكما إذا , حتى استطيع أن أعود إلي عملي . اعتني بالولدين ولا تدعيهما يأكلان كل ألحلوي التي أعطيتها لهما".
أخذت ماري ستاسي إلي منزلها الجميل المبني علي طراز بيوت المزارع . وخرج الولدان رغما عنهما من السيارة , وفتحت ماري باب المنزل وانتظرت إن تسبقها
ستاسي ثم قالت ماري :
" لقد أثارهما ركوب سيارتك وسيتذكران هذا لمدة طويلة".
تبعتها ستاسي إلي المطبخ الكبير قائلة:
" إنا أيضا استمتعت , فانا أحب الأطفال ".
" لن أقول لك انتظري حتى يكون لك أطفال لأني أحب الأطفال ولا أبدلهما بالدنيا وما فيها . أكاد اجن من الأمهات اللواتي يتذمرن من أولادهن".
جلست ستاسي الي المائدة قائلة:
" أنني افهم قصدك ولو أنني قليلة الخبرة بالأطفال ".
" قولي لي هل هناك من ينتظرك في بلدتك؟"
تذكرت ستاسي كارتر ميلز فقالت :
"تقريبا".
قالت ماري :
" تقريبا ! هل تقصدين انه لم يعرض الز,اج بعد , وقد جئت لتشعريه بأنه يفتقدك؟"
ثم أحضرت القهوة وجلست إلي المائدة وسالت :
" بحليب أم بسكر؟"
أجابت ستاسي:
" لا . بل أريد قهوة سادة . لقد عرض علي الزواج قبل رحيلي ولكني لست واثقة من إني أريد الزواج ألان".
" هل تحبينه؟"
" اعتقد هذا . إنا لم اخرج مع شاب سواه , ونحن نعرف بعضنا بعضا جيدا لدرجة..."
" افهم قصدك . لم تريدي إن تتسرعي في قرارك خاصة بعد فقد والدك".
تنهدت ستاسي وقالت :
" ربما يكون ذلك من الأسباب".
شعرت ماري إن ستاسي في حيرة فقالت:
" ربما عاونك بعدك عنه إن تعرفي إلي أي حد تهتمين به . لحسن الحظ لم يكن لدي أي شك في شعوري نحو بيل . انه طبي المدينة وقد شعرت لحظة إن جاء إلي
المدينة وتسلم عيادة الدكتور جيبون , انه الرجل الذي أريد إن أتزوجه.كنت في الثانية والعشرين من العمر , وكنت اعرف العديد من الشبان".
" إني أتساءل أذا كانت هذه هي مشكلتي . فقد كنت أسافر مع أبي في مهامه ,فلم ابق في مكان واحد مدة تسمح لي بمقابلة شبان في مثل سني , وعند عودتي كان كارتر
دائما هناك . اعرف إنني افتتنت بأحد الصحافيين الذين عملوا مع والدي".
ضحكت ماري قائلة:
" اعتقد إن كل فتاة تمر بهذا . كان لي مثل هذا الشعور لكورد هاريس , كنت أطارده في كل مكان".
" كورد هاريس؟"
" نعم . لقد وقعت كل فتاة في المنطقة تحت تأثير سحره , في وقت من الأوقات".
وعلقت ستاسي :
" هذا الرجل عدو المرأة , لا أتصور إن يكون مهذبا مع أي شخص".
" أواكد لك انه ليس عدو للمرأة . انه يشعر بالمرارة بعد تصرف ليديا مارشال السخيف معه , ولكنها مسألة وقت حتى تأتي فتاة ما , وتحطم الدرع الذي وضعه
حول نفسه , وستفهمين عن أي شيء أتكلم عندما يطلق العنان لجاذبيته , فأنه لا يقاوم ".
" انك تنظرين إلي فتاة تستطيع مقاومة سحره . انه بلا شك أكثر عجرفة وحقارة من أي شخص قابلته".
اخفت ماري ابتسامتها بصعوبة وقالت:
"أري انه ترك فيك تأثيرا واضحا . اعتقد انك تسرعت في الحكم عليه .حتى أذا تجاهلت وسامته الشديدة , وقوامه الفارع ستجدين فيه كل متطلبات الزوج والأب
الفاضل . وإذا لم يكفك هذا فهو يملك اكبر مزرعة هنا ويكسب منها كثيرا ".
" هذا حسن , ولكني ارثي للمرأة التي ستتزوجه . لقد تسرع في حكمه علي وإنا لن أتسامح وأدير خدي الآخر ليلطمه".
قالت ماري وهي متحيرة :
" لا بد إن الشرر يتطاير من عينيك عندما تلتقيان , وهذا غريب , لقد ظننت إنكما ستتفاهمان..."
" لا إننا لن نتفاهم".
ولكن ستاسي لم تستطع إن تقص علي الفتاة المتفهمة حادث الأمس . فقد كان شعورها بالهوان أقوي من ان تتكلم عنه.
ودعت الأسرة الصديقة بعد الظهيرة , ووعدت بزيارتهم عندما تأتي للمدينة.
وصلت ستاسي للكوخ في اقل من ساعة حيث حياها كاجون , وهو يهز ذيله بشدة ودخلا معا للكوخ وهما سعيدان . وبينما تعد ستاسي العشاء لاحظت وجود رسالة علي
المائدة التقطتها , ووجدت مظروفا تحتها . وقرأت الرسالة :
" آسف لأنني لم أجدك . تجرأت وأحضرت لك بريدك.
ك . ه ."
فمزقت الرسالة وألقت بها في المدفأة , وهي تقول بصوت عال :
" يا لأعصاب الرجل . آسف لأنني لم أجدك . أما أنا فلست آسفة ".
وبعد تناول طعامها أخذت قهوتها إلي الشرفة وقرأت رسالة كارتر والضوء يخبو
****
-----------------------------------------------------------------
6- العقاب الجميل
666666666666666666666666
عملت ستاسي في اليومين التاليين على أن تتجنب لقاء كورد هاريس. ونجحت في هذا بمعاونة المزارع نفسه، الذي بدا انه أيضا لا يرغب في صحبتها. حفرت بحذائها
في الأرض الرملية , وأخذت تنظر حولها في تردد. جاء أوان الحديث معه ولم تكن تتطلع إلى هذا أبدا. فقد استعادت قواها تماما وأرادت أن ترتب لعودتها للكوخ.
كانت قد أتمت حزم حقائبها بعد الغداء، وكان أمامها أن تبحث عن كورد وهي مهمة غير مستساغة لها بالمرة . مشي كلبها الكبير إلى جوارها وهي تخطو أمام باب المكتب
المفتوح . وبنظرة إلى الداخل تحققت من شعورها الداخلي بأنه غير موجود. وتنهدت في أسي ومشت إلى الاصطبلات. نظرت عبر المباني وفكرت بتجهم ؛ ربما كان
في مكان ما علي الجبال. لمحت حصانا وراكبه يركضان عند الحظائر . ولم تعرف ستاسي الرجل فانتظرته وقد أثارت سرعته فضولها.وسمعت اصواتا تصيح قرب
الاصطبلات فاستدارت لترى سبب الضجة.ولكن المباني حجبت عنها الرؤية. وتوقف الراكب عند باب الحظيرة ونزل عن الحصان .
" ما الخبر؟"
قال راعي البقر بصوت خافت:
"معذرة يا آنستي ولكني ذاهب لاستدعاء الطبيب"
وبدأ يسرع في طريقه .
هتفت ستاسي وفي ذهنها صورة مخيفة لكورد يرقد على الأرض مغشيا عليه :
" ماذا حدث ؟ من الذي أصيب ؟"
أجاب الرجل وهو يسرع نحو باب المكتب وستاسي تتبعه :
" هذا الشيطان الأحمر الذي يسمونه حصانا هرب من الحظيرة عندما دخلها كريس , وحاول الشاب المغفل أن يمسك به وهو يركب حصانه . فجن جنون الحصان
وهاجمه . لحين الحظ كان السيد ونحن معه عائدين من الجبال , فرأينا ما حدث . لا اعلم مدى إصابة الشاب فانا ل لا استطيع الاقتراب منه".
تأملت الرجل وهو يمد يده للهاتف في غرفة المكتب وشهقت :
" ديابلو!"
قال الرجل في الهاتف بدون أن يوجه كلامه لستاسي:
" إن السيد بلغ به الغضب حد يجعله يقتل ذلك الحصان".
وجرت ستاسي خارج المكتب إلى الحصان الواقف بالخارج فقفزت علي ظهره ووجهته إلى حيث سمعت الأصوات . لم تكن أفكارها واضحة وهي تنادي على كلبها أن يتبعها
وركضت بالحصان . كانت تعلم فقط أن عليها أن تكون هناك . يقتل ديابلو!
رنت الكلمات في إذنيها كجرس الموت . وضربت الحصان بلجام . من فرط اضطرابها وقفزت به حول المباني , ثم توجهت إلى راكبي الجياد. وعندما اقتربت منهم
رأت راكبا محشورا تحت حصانه الساقط بينما وقف حصانها الأحمر بينه وبين الراكبين الآخرين. كان هناك حبل مفكوك يتدلى من رقبة ديابلو وهو يفلت من حبال الرجلين.
كانت رقبته بيضاء من الزبد وهو مستمر في الهجوم بحوافره الشريرة .
صاح كورد عندما رأى ستاسي تترجل عن الحصان :
" ماذا تفعلين هنا ؟"
والتوى وجهه غضبا وهو يدور بحصانه الكبير ليواجهها قائلا :
" عودي إلى المنزل حيث مكانك "
وصاحت ستاسي وهي تستدير إلي حصانها الذي اندفع مهاجما الراكب الآخر باسنانه العارية :
"انه حصاني "
وزار المزارع وهو يقف بحصانه إلى جانبها :
" أيتها الأنثى المجنونة . ألا ترين أن هذا الحصان الملعون قد جن ؟"
في هذه اللحظة لمحت ستاسي وجود السوط في يد الرجل الغاضب وطرفه في الغبار الذي اثارتة حوافر الحصان 0تطاير الشرر من عينيها وهي ترفعهما لتلتقيا
بعينيه الداكنتين .
" ماذا تنوي أن تفعل ؟ أن تضربه حتى يستسلم ؟ "
" نعم إذا اضطررت إلى ذلك فهذا الفتي قد أصيب!"
وأمرته ستاسي
" ابتعد عن طريقي "
ودفعت حصانه بعيدا عنها ثم مشت لتواجه الحصان الأحمر. صفر ديابلو وهو يخدش الأرض بحوافره ويهز عرفه الأصفر لها . وشب الحصان وحافراه في الهواء وأذناه
للخلف.و حاولت ستاسي أن تخترق ذهن الحصان المتهيج فأمرته :
" ديابلو, ديابلو إهداء! "
وظلت أذناه ملامستين لرأسه بينما اخذ يرفس الكلب من خلفه برجليه, ورأت ستاسي الحصان الساقط يحاول النهوض, إلا انه سقط على جنبه. وحاول حصانها
مهاجمتها فنادته وصوتها يعلو بلهجة الأمر . اعتقدت ستاسي أنها رأت أذنيه ترتفعان وهو يقترب منها. عندما كاد أن يصل إليها خطت جانبا فاندفع بجانبها ، ثم استدار
وواجها وهو يهز رأسه المحمومة . لمحت ستاسي من طرف عينها الراكبين . احدهما اتجه نحو المصاب بينما اتجه كورد نحو حصانها والسوط على سرجه وفي يده
حبل يهزه استعدادا .
وتغير صوتها إلى همسة حانية :
"ديابلو... إهداء يافتى. إهداء...إن كل شيء علي مايرام ياطفلي . تعال هنا تعال"
ولكنه كان ثائرا وقد تذكر الجرح الذي أصابه في عنقه . ولم يستطع الحصان الأحمر أن يكبح جماح الغضب في داخله.واخذ رأسه الرقيق يعلو ويهبط والزبد يسيل على
عنقه . لقد عرف الفتاة الواقفة أمامه ولكنه كان يمتلئ بالكراهية والقوة. لمح بطرف عينه الحصان وراكبه يصلان خلفه ، ورقص وهو يستدير لمواجهتهما . ونادته
ستاسي وهي تخطو للأمام . ولكنه في هذه المرة استدار بسرعة وجري إليها مكشرا عن أسنانه ورأسه منخفض، وعندما حاولت ستاسي القفز بعيدا عن طريقه انحرف إليها
راميا بها إلى الأرض بكتفه الكبيرة .
ووقفت مقطوعة النفس ولكنها لم تصب بسوء، ورأت كورد يسرع كالبرق خلف الحصان. زعق في الراكب الأخر فأحاط الحبلان في نفس الوقت برقبة الحصان الأحمر.
وصرخ الحصان غاضبا وحاول أن يهاجم الراكب البعيد فأوقفه كورد بحبله .
وصاح الراكب الأخر في انتصار بينما اخذ الحصان يقاوم الحبلين بلا جدوى :
" لقد أمسكت به ياريس! أمسكت به!"
وبعد بضع دقائق أدرك الحصان انه لن يستطيع الانتصار, وبسرعة قاده الراكبان إلى الحظيرة التي هرب منها .
ونفضت ستاسي الغبار عنها ورأت الراكب الثالث الذي كان قد ذهب يستدعي الطبيب راكعا إلى جانب الحصان الساقط وراكبه . واتجهت إليهم بسرعة فوصلت في نفس
الوقت الذي وصل فيه كورد . كانت نظرته متجهمة وهو راكع بجوار راعي البقر الشاب الذي هزه الألم وقال كورد:
" إهداء ياكريس سوف نخرجك بسرعة .الطبيب في الطريق"
آن الفارس الشاب وهو يصر على أسنانه من فرط الألم :
" كسرت ساقي ، أخرجني من تحت هذا الحصان اللعين " .
قال كورد موجها كلامه للفارس الأخر الذي انشغل بتهدئة الحصان الساقط .
"إلى أي مدى جرحت ساق هذا الحصان ؟ "
وكانت الإجابة الوحيدة هزة رأس بالنفي .
وبلا أية كلمة وقف كورد واتجه للحصان ثم اخرج بندقيته من غمدها . ووقفت ستاسي كالمخدرة ترقب تحركاته بدون أن تقدر على الحركة . اصمت أذنيها طلقة البندقية
وهي تخمد حياة الحصان المجروح . غلبتها الصدمة و الرعب فلم ترى وصول الطبيب و لا الفتى الذي حمل على نقالة . ولم تستطع رؤية أي شئ إلا الحصان الميت . حتى الدموع تجمعت في عينيها . و أخيرا حجب كورد الرؤية عنها بقوامه المغبرة .
وتصلبت وهي ترفع عينيها المليئتين بالدموع إلى وجهه الذي لم تره بوضوح . واغتصبت الكلمات بصعوبة بالغة و همست :
" لماذا ؟ "
" عندما حاول كريس الإمساك بحصانك هاجمه الحصان ، و أوقع بالحصان و الراكب فكسرت ساق كريس و كذلك ساق حصانه . الطبيب يقول انه سيشفى خلال ستة أ
سابيع ، ولكنه سيحتاج لعكازين لمدة شهر أو أكثر " .
غمغمت ستاسي بغير وضوح :
" لا . انه الحصان ! لماذا كان لابد إن تقتله ؟ لم يكن الخطاء خطأه " .
وبكت . كانت هذه أول تجربه لها مع ماظنته وحشية ، ولم تستطيع أن تمنع عينيها من الشرود نحو الحصان الميت . وانفجر كورد قائلا :
" الحصان ؟ إلا تفهمين انه كان من الممكن أن افقد رجلا ؟ إنسانا ! وكل ما يشغل بالك هو أمر هذا الحصان " .
بلغ غضبه حدا جعلها تفيق من صدمتها ، واستدارت لمواجهته مرة أخرى ، فقرات أمارات الاشمئزاز والامتعاض على وجهه . لم يكن يفهمها . لقد حزنت من اجل
راكب الحصان ولكنها لم تستطع أن تتقبل قتل الحصان عمدا .
وقالت بصوت حاد من الصدمة وقد اقتربت من الهستريا :
" ولكنه سيشفى ويصبح على ما يرام . إلا تفهم . سيعود ولكن الحصان قد مات ، وأنت الذي قتلته ! كأنك لم تفعل أي شيء ! "
" لاشيء ؟ ألا تفهمين إنني أصبحت الآن بلا حصان ولا فارس ؟ أتعتقدين انه من السهل علي أن أجد من يحل محله في هذا الوقت من السنة ؟ "
وزار وهو يقبض على ذراعها بقبضة من حديد ثم أضاف :
"علي أن أشكرك على كل هذا ، أنت وحصانك هذا!"
صاحت بسخرية :
" أوه بالتأكيد ، إن الخطأ خطأي ... حسنا لا تقلق سأدفع حساب المستشفى وثمن أي خسارة أو إزعاج سببتهما لك ".
وأجاب كورد :
" بالطبع ستدفعين ... أنت على حق في هذا " .
ثم خفض صوته متوعدا :
" ولكن كل أموالك لن تشتري لك مخرجا من هذه الورطة . ستأخذين مكان كريس ، ولأول مرة في حياتك ستعرفين معنى أن تعملي حتى تسددي دينا ".
سألته ستاسي وجسدها يرتعش من الغضب :
" ماذا تقصد ؟ "
أجابها وفي صوته رنة سخرية عميقة :
" لقد مثلت دور اليتيمة المسكينة فحصلت على الكثير من العطف . أراهن أن قلبك انكسر حقا عندما توفي والدك وترك لك كل هذا المال ".
اخترقت كلماته قلبها كالسكين الحاد ، ولم تقو على الكلام من بشاعة اتهامه لها . وبلا شعور وجدت يدها تصفع خده . وشعرت براحتها تلسعها وهو يركز عليها عينيه
بنيرانها العميقة مرة أخرى .
ضغط على أسنانه وتمتم :
" هكذا تلعب القطة . لقد افلت بفعلتك اليوم ولكن لو كنت مكانك لم حاولت أن افعلها مرة أخرى ".
ثم قال في لهجة الأمر :
" ستبدئين العمل غدا . وعليك أن ترتدي ثيابا عملية مثل الجينز . إننا لا نقيم عروضا للأزياء على الجبال "
تسمرت قدماها على الأرض ، وتساقطت دموع الغضب على خديها وهي ترقب خطوات كورد مبتعدا . وشدت قبضة يدها وهي تحاول أن تجد كلاما تصيح به خلفه ، ولكن
فمها رفض أن يفتح ولم تخرج منه الكلمات أبدا . وقفت في مكانها ترتعش من غضب لا تقوى على السيطرة عليه ، ثم استسلمت تدريجيا للتشنج .وكان كورد قد امتطي
جواده وانطلق في اتجاه بيت المزرعة قبل ان تتمكن ستاسي من ان تحرك من مكانها . ثم اتجهت ببط في نفس الاتجاه وذهنهامشوش بين افكارالكراهية للمزارع والشفقة
علي الشاب المصاب والحصان الميت .
توجهت للمنزل في صمت غافلة عن كل ما يحيط بها . دخل تغرفة نومها وجلست علي السرير تنظر لحاجياتها التي كانت جمعتها لترحل.
مسحت دموع الغضب من عينيها بيد واحدة , وأخذت تستعيد حديثهمامرة اخري , كان من الخطأ أن تهتم بالحصان أكثرمن الانسان , ولكن مقتل الحصان صدمها بقوة
ربما كان من الخطأ أن تتهم كورد بقتل الحصان بوحشية بدون أن تفكر إذا كان في الامكان معالجة الحصان أم لا ولكن ستاسي لم تستطع أن تلتمس له عذرا في هجومه الظالم
عليها بشأن والدها . ثم أنها لم تقل له أبدا أنها يتيمة . صحيح أنها أخبرت آل نولان عن يتمها ولكنها بالطبع لم تحدث أحدا عن المال الذي ورثته ! انطفأالغضب في قلبها
وحل محله شعور قاهر بالأس . كيف تأمل أن تقنعه بأن ما قاله غير صحيح ؟ دفعها اضطراب أفكارها للنهوض , واخذت تذرع الغرفة جيئة وذهابا . وراحت تغلي في
داخلها من فرط استيائها من كورد هاريس.
تري كيف يستطيع أن يجبها علي البقاء رغما عنها ؟ لن يستطيع بالطبع إجبارها علي العمل . ما الذي تعرفه هي بالظبط عن الزراعة ؟ وقفت ستاسي أمام المرأة وفي ذهنها
فكرة تختمر , لن يستطيع أن يمنع رحيلها لأنه ليس موجودا . نظرت إلي بسرعة لساعتها ونظرت للخارج بنفس السرعة . لقد مضي وقتا أطول مما تصورت .
غابت الشمس ولا بد أن كورد تغيب أكثر من ساعتين . إذا ليس أمامها الكثير من الوقت إذا شاءت أن ترحل قبل عودته . وبسرعة بدأت تجمع أشيلءها وتضعها خارج
الغرفة.
بالطبع سيتهمها بالهرب لرفصها مواجهة تحديه , ولكن ليفكر كيفما شاء . لسوءالحظ أنها أرغمت علي قبول ضيافته أثناء مرضها , ولكن لم يعد هناك داع لبقائها أكثر
من ذالك , يكفي أنها عرضت دفع حساب المستشفي حيث يعالج الفتي , وعرضت دفع ثمن الحصان لكورد , أما إذا كانت غير قادرة ماديا علي الدفع فمعني هذا أن
يجدوا طريقة آخري للتغلب علي هذه المشكلة , فهي اعترفت بمسؤوليتها عن حصانها.
وما كادت ستاسي تسرع بارتداء سترتها المزركشة , وتأخذ حقيبتها ثم تخرج من الغرفة حتى سمعتالباب الكبير المصنوع من خشب البلوط يقفل . وقفت كالمخدرة إلي
جانب حقائبها , وأخذت تحملق في الرجل الطويل الواقف أسفل الدرحج . كانت ملامح كورد مختبئة في الظل , ولكن ستاسي استطاعت أن تتخيل الحاجبين الداكنين
معوقودين , والفك الصارم , وفوق كل هذا تخيلت خط الفم المكتئب . وبدت عيناها واسعتين داكنتين من شدة الخوف وسرت القشعريرة في جسدها . لم ينطق أحدهما
بكلمة وازدادت حدة التوتر بينهما .
وقال بصوت خفيض :
" هل أفهم أنك راحلة ؟"
وردت عليه ستاسي بتحد رافعة ذقنها :
" وماذا إذا كنت راحلة؟"
خرج كورد من الظلال ورد عليها ببرود :
" إذا أقترح أن تنسي هذا الأمر ".
ظهرت علي وجهه خطوط جديدة لم تلحظها ستاسي من قبل , ولكنها لم تكن لتخطىء رنة الخشونة في صوته , والقي نظرة آخري علي الحقائب وعليها ثم قال:
"من الأفضل أن تفكي حقائبك ".
وانفجرت ستاسي غاضبة :
" هل تظن حقا إن باستطاعتك الاحتفاظ بي سجينة هنا؟"
نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يجيب :
" أنت مدينة لي , وأنا أضع شروط الدفع".
كان من المستحيل أن تحارب هذا الرجل , وسري اليأس في أوصالها . هزت كتفيها قليلا اعترافا بالهزيمة . وذهب الوهج من عينيها وحل محله اليأس والحيرة .
حاولت أن تقاوم للمرة الأخيرة فقالت :
" لن أبقي في هذه الغرفة ليلة أخري ".
ظهرت في عينيه نظرة من يتسلي قبل أن يشيح بوجهه عنها
" كما تريدين . هناك غرفة للضيوف في الدور الأسفل , استعمليها"
وتوقف برهة ثم أضاف : " ربما كان يهمك أن تعرفي , سيكون الشاب في المستشفي لبضعة أسابيع , وبعد ذلك سيظل بلا نشاط لمدة شهرين ".
شعرت ستاسي بالحرارة تسري في وجنتيها خجلا لعدم اهتمامها بالسؤال عن حالة الفارس المصاب . لماذا كان يستطيع دائما جعلها تبدو في صورة من لا قلب لها ؟ شعرت
بالانكسار فجمعت حقائبها وخطت إلي البهو وتوقفت عند أول باب علي يسارها . كانت في حالة من الضيق لم تسمح لها باستيعاب محتويات الغرفة . الغضب يسيطر علي
كل أفكارها , ولم يكن في أمكانها التفكير إلا في عيني كورد الداكنتين ووجهه بملامحه المحددة . وضايقها هو أن تجعل من نفسها أضحوكة , وتزيد من اعتقاده بأنها
مدللة وأنانية . وكانت ستاسي تعلم أنها لن تلقي منه أية رحمة . كان يتوقع منها أن تحل محل الفارس بغض النظر عن كونها امرأة .
وهمست لنفسها : حسنا يا سيد هاريس . أستطيع أن أتقبل أي شيء تدبره لي لن أطلب الرحمة ,
وفي الصباح التالي ما كادت الشمس تلمس السماء حتى سمعت ستاسي دقة عالية علي بابها . رفعت نفسها علي كوعها وقد غالبها النعاس نظرت من النافذة ثم إلي الساعة
الموضوعة علي الخزانة . ومكثت لمدة دقيقة حتى تذكرت أحداث اليوم السابق فقالت:
" نعم؟"
جاءها صوت كورد من البهو:
" حان موعد استيقاظك , هذا أذا كنت تريدين تناول القهوة والإفطار قبل الذهاب إلي العمل".
لم ينتظر إجابتها بل مشي بخطوات واسعة بعيدا عن الباب , نزلت ستاسي من السرير وكلها إصرار . ولم تكن في حاجة لأكثر من دقائق قليلة لترتدي بنطلونها وقميصها
ثم تجمع شعرها وتربطه خلف عنقها . وداعبت شفتيها الرقيقتين ابتسامة صغيرة وهي تنظر لصورتها في المرآة . يخطئ سيد هاريس إذا ظن أن البنطلون الجينز الأزرق
والبلوزة البسيطة سيقللان من أنوثة مظهرها . لم تستطع إخفاء نظرة السرور في عينيها وهي تشاهد رقة قوامها . تأكدت من وجود قفاز الركوب في جيب سترتها الجلدية
ثم أخذت قبعتها ونزلت إلي غرفة الطعام .
لسوء الحظ لم تجد كورد. فسألت ماريا التي أجابت بأن سيد هاريسانتهي من تناول إفطاره وخرج ليعطي تعليماته للرجال , كان ارتباك ماريا ظاهرا إزاء التغير الذي حدث
في مجريات الأمور , وأخذت ترمق الفتاة بنظرات حائرة . وعندما فرغت ستاسي من تناول الخبز القديد والقهوة أبلغتها ماري أن عليها أن تقابل السيد في الساحة .
عندما وصلت ستاسي للساحة وجدت أن أغلب الرجال قد رحلوا بالفعل , وحمدت الله إذ أنه كان محرجا جدا أن تتعرض لأوامر المزارع البغيض في وجود رجاله .
وتعرفت عليه من قوامه الفارع وهو يخاطب رجلين . كان ظهره في اتجاهها فلم يرها وهي قادمة , ولكن ستاسي كانت واثقة من أنه أحس بقدومها .
حاول الرجلان الواقفان معه تجاهلها . كان أطولهما قامة أكبر من ستاسي بسنوات قليلة , وبدأ عليه الحرج من هذا الموقف . ظل رأسه مطرقا وقبعته تخفي تعبيرات
وجهه عن ستاسي . أما الرجل الآخر فكان أكبر بسنوات كثيرة وكان وجهه مليئا بالتجاعيد وأشبه بالجلد من كثرة التعرض للشمس , حتى أن ستاسي لم تستطع أن تحدد
سنه . وعندما اقتربت من الرجال , قابلها الرجل المسن بنظرة واضحة , ورأت إمارات الشفقة والتعاطف مكتوبة في عينيه اللتين ظهر فيهما الحول في شمس الصباح
. كان عزاء لها أن تجد فيه حليفا.
قال كورد بحدة وهو يدير لها ملامحه الشبيهة بملامح النسر:
" لقد آن أوان وصولك هنا يا ادامز . أريدك أن تذهبي اليوم مع هانك وجيم لتجمعوا قطيع الأبقار من المراعي الشتوية ".
ألقي بأوامره بدون أن ينظر إلي القوام القصير بجواره بأكثر من نظرة عابرة . ثم وجه كلامه للرجل المسن قائلا:
" أية أسئلة أخري يا هانك ؟"
هز الرجل رأسه بالنفي .
" حسنا أركبوا الجياد"ز
بدأت ستاسي في إتباع الرجلين وهما يسيران نحو الحياد المسرجة الواقفة في الناحية الأخرى من الحظيرة , ولكن كورد ناداها فاستدارت لتواجهه, وأخرجت قفازها من
جيب سترتها وبدأت في ارتدائه محاولة تحاشي شعورها بالتوتر كلما واجهته . قالت وهي تنظر إليه في جرأة , وفي صوتها حدة مماثلة لحدة صوته :
" نعم "
لم تستطع ملاحظة تعبيرات وجهه.
لم يجبها وبعد دقيقة قال :
"سيريك هانك كل ما يلزم عمله ".
أجابت وقد تضايقت من نظرة عينيه الفاحصة التي بدأت وكأنها تتغلغل إلي أعماقها :
" حسنا. أي شيء آخر ؟"
" لا حظا سعيدا".
كان صوته ينم عن عدم الاكتراث بعكس رقة كلماته.
تركته ستاسي بسرعة , ومشت ألي حيث انتظرها الراكبان . ناولها هانك عنان مهر صغير . ركبته في صمت ووجهت حصانها ليتبع رفيقيها .
وبعد أن تركوا ساحة بيت المزرعة بوقت قصير سبقها الراكب الشاب تاركا ستاسي وحدها مع راعي البقر المتغضن ... في الظروف العادية كانت تسعد لركوب الخيل
في الصبا الباكر , ولكن ظروف اليوم كانت تشعرها بمهانة الوضع الذي وضعت فيه , ومنعتها كبراؤها من النظر إلي الرجل الصامت السائر بجانبها .
وفجأة جاءها صوت هانك خشنا متسائلا :
" آنسة آدامز ... ليس هذا من شأني وتستطيعين أن تطلبي مني الصمت , ولكن بما أننا سنبقي معا طوال النهار فستغمرنا الوحدة إذا لم نتكلم إلا مع حيادنا . ليس
لي أن أناقش أوامر السيد , ولكن لا أنا ولا أي من الشباب نحملك مسؤولية ما حدث للفتي أمس . سيكون اليوم طويلا علينا فوق صهوة الحياد . وبالذات بالنسبة لفتاة
مثلك من المدينة . ولكن بالطبع سيمر النهار بسرعة أكثر إذا دارت بيننا الأحاديث".
كان انطباع ستاسي واضحا بأن هذا أطول تصريح للرجل . وابتسمت لمراعاته مشاعرها. كان يحاول أن يزيل عنها وعن نفسه الحرج بطريقته البسيطة ,
" أشكرك يا هانك . إني أقدر لك اهتمامك أكثر مما تتصوره".
" حسنا . إني أعمل في هذه الأرض منذ كان السيد يرتدي البنطلون القصير , وقد رأيت أشياء غريبة . ولكني أعترف أن هذه هي المرة الأولي التي أري فيها سيدة
ترعي الماشية . وقد قال لنا السيد أن عليك القيام بعملك بنفسك بدون مساعدة ".
وهز رأسه مرتبكا .
أجابت ستاسي وعلي وجهها نظرة إصرار:
" وأنا أنوي هذا أيضا , إنني لا أعلم شيئا عن المزارع أو البقر , ولكني أستطيع أن أتعلم . علي الأقل أستطيع أركب الجياد كما أن صحتي علي ما يرام "
" حسنا آنستي , أعتقد أنك تستطيعين ركوب الجياد فعلا . ولكن عليك أن ترخي عضلاتك قليلا . إنك لست في معرض للفروسية لذا يجب ألا تهتمي بمظهرك ,
ولو كنت مكانك لما قلت بقرا . عليك أن تقولي ماشية , هذا أكثر أمنا هنا".
ضحكت ستاسي قائلة:
" لقد صححت معلوماتي . قل لي يا هانك , ما الذي سنفعله اليوم بالضبط ؟"
" غالبا سنبحث وسط الأشجار عن الماشية الهاربة من القطيع , ثم نعد القطيع للانتقال للمراعي الصيفية . نقل معظم الرجال جيادهم في الشاحنات للطرف البعيد
للمرعي , وسيصلون في اتجاهنا ومعهم القطيع الأساسي".
" نقلو جيادهم في الشاحنات ؟"
" نعم هذا هو الغرب الحديث الذي ستجدينه . إنهم يفضلون شحن جيادهم في عربات النقل أو المقطورات بدلا من أن يضيعوا وقتا طويلا في الوصول إلي مكان القطيع "
صاحت ستاسي كما لو كانت تكلم نفسها :
"هذه معجزة , إنهم لا يستملون سيارات الجيب في تطويق القطيع "
"منذ بضع سنوات عندما كنا نحاول جمع الثيران والماشية الشاردة أمر السيد بإحضار طائرة هليكوبتر للبحث عنها . لقد تغيرت الأمور . أعتقد أن علينا أن نلحق بجيم "
وسري الدفء في هواء الصباح البارد مع شروق الشمس . واختفي ندى الصباح سريعا من فوق النباتات حينما اخترقت أشعة الشمس الظلال . ولم يكسر حدة الصمت
سوي وقع خطوات الحياد . سار الثلاثة عدة أميال قبل أن يصلوا لأول سور محاط بالأسلاك الشائكة , ثم قطعوا السور حتى وصلوا للبوابة . مكثت ستاسي وهانك
فوق جواد يهما بينما ناور جيم بحصانه حتى صار في وضع يسمح له بفتح البوابة لزميليه . وبعد أن مرا خلال البوابة تبعهما جيم ثم أقفل البوابة خلفه . قال هانك وهو ي
شير للأرض المتسعة أمامهم :
" هذا هو المكان الذي سنبدأ فيه عملنا يا آنسة".
نظرت ستاسي للمرعي الخالي قائلة:
" ولكني لا أري أية ماشية؟"
" هكذا يبدو لك . لو كانت الماشية ظاهرة لنا لما توجب علينا كل هذا العمل . ولكن الأبقار تعرف كل شجيرة وكل مخبأ في المنطقة وهي تنوي البقاء مختفية".
تساءلت في حيرة واضحة:
" ولكني كنت أظن أنكم تربون ماشية أليفة , نوعا من سلالات هيرفورد".
" نعم . ولكننا نتركها وحدها , وقد أصبحت تهاب الآدميين تماما مثل الأبقار البرية ذات القرون الطوال التي كانت ترعي قديما في هذه الأرض.إن الفرق الوحيد بين
النوعين هو أن النوع الحالي لا يبلغ نصف قبح النوع القديم".
ثم أضاف وهو يمر بعينيه عبر الأرض الممتدة:
" عادة نفترق في هذه المنطقة ولكن ابقي قريبة مني لفترة يا آنسة".
ركض الفرسان الثلاثة وكل واحد يبعد عن زميليه خمسين ياردة لليسار , وبدأوا جميعا في مسح الشجيرات . كان العمل في هذا الجو الحار المغبر شاقا علي الحصان
والراعي , ولم تمر فترة طويلة حتى خلعت ستاسي سترتها وربطتها بسرجها . وبدأ حصان ستاسي أيضا يعرق بسبب حرارة الشمس والحركة الدائمة . وجدا رأسين
من الماشية وهما في طريقهما . وعندما انتصف الصباح كان أمامهم خمسة عشر رأسا من الماشية يسوقونها . طلب هانك من ستاسي قيادتها . بينما ذهب هو وجيم
وراء عدد آخر من الماشية الشاردة.
في البداية ظنت أن هانك عهد أليها بالعمل السهل , حتى بدأت تتنفس الغبار الذي أثارته الماشية بأقدامها, لم تستطع حتى أن ترتاح على صهوة الحصان . ففي كل مرة
سمحت لانتباهها أن يتحول عن القطيع كانت هذه اللحظة التي يقفز فيها احد الحيوانات الهرب مرة أخري من القطيع.وكان الحصان بغريزته يجري خلفه ويعيده إلى المجموعة . وفي عدة مرات كانت ستاسي واثقة من أن الحصان سيدور بسرعة قاذفا بها لتطير في الاتجاه الأخر. كانت ساقاها متعبتين من طول أمساكهما بجانبي الحصان , وجسدها مغطي بالغبار والقذارة والعرق الي درجة احست بانها لن تستطيع العمل بقية النهار عل هذا المنوال. وفي كل مرة كان هانك يضيف رأسا جديدا للقطيع , كانت ستاسي تمنع تنهيدتها بصعوبة لأنها تعلمت إن كل رأس من القطيع يستلزم أن يقطع حصانها ضعف المسافة التي كان يقطعها من قبل.
كان حلقها جافا وبه طعم الحصى , و خشيت أن تأخذ رشفة من الماء فيقرر رأس من القطيع الهرب, كانت ستاسي سعيدة لرؤية هانك يركب بجانبها ولكن ابتسامة
الترحيب كانت مجهدة. لم ينظر أليها مباشرة ولكنها رأت شبح ابتسامة علي وجهه.
تمتم في الهواء النقي:
"انه حقا عمل شاق أن يركب المرء حصانه كل هذه المدة وسط الشجيرات الكثيفة . سنصل إلي صهريج الماء حيث نلتقي بالعربة المطبخ لتناول الغداء. اعتقد انك
تحتاجين لقسط من الراحة؟"
أجابت ستاسي وهي تشعر بشفتيها تشققان بينما تتكلم :
"لا مانع من الاعتراف بهذا يهنك"
ثم أضافت وهي تربت بحنان علي رقبة الحصان:
" اعتقد انه يحتاج أيضا للراحة "
"كاد عمله اليوم أن ينتهي"
هتفت ستاسي وقد استرعي انتباهها شيء ما إلي اليسار:
"أوه. انظر. أليس هذا جيم قادم , ويبدو أن معه عجلا رضيعا يحمله علي سرجه"
التقي بهما جيم ومعه عجلا ابيض الوجه يرقد بالعرض على سرجه وأمه تـتبعه وهي تخور مهدئة صغيرها , هتفت ستاسي :
ط لإنه لطيف . كم عمره ؟"
أجاب جيم وخجله باد عليه وبدون أن ينظر مباشرة إلي ستاسي برغم فخره باهتمامها لما وجد :
" وجدتهما وسط الأشجار . لم يكن في استطاعة العجل اللحاق بنا , ففكرت أن أخذه معي حتى عربة العجول".
سألت ستاسي وقد تحول انتباهها عن الوجه الأبيض:
" عربة العجول؟ ما هي؟"
أجاب هانك وقد سره اهتمام ستاسي بالعجل:
" هناك عادة بعض الصغار التي لا تستطيع اللحاق بالقطيع , ولذا نضعها في مقطورة حتى نصل إلي مكان المبيت حيث تنظم لأمهاتها , خذ العجل الصغير يا جيم .
سنصل بعد قليل ".
سألت ستاسي وهي ترقب جيم الذي يسبقها علي حصانه :
"أهذا ما يدعي دوغي أي عجل رضيع؟"
أجاب هانك :
" لا . أن الدوغي هو عجل بدون أم , ولكن الكثير من الناس يطلقون اسم دوغي علي العجول ".
علقت ستاسي وهي مستمتعة بحديث راعي البقر الخبير:
" لقد استقرت الماشية كثيرا . لابد أن السبب هو وجودك هنا . قبل ذلك كانت تتجه أحدي الأبقار كل خمس دقائق في اتجاه مختلف"
" لا . لست أنا السبب . أنها تشم رائحة الماء . فنحن نسير بالصدفة في الاتجاه الذي تريده"
بلغت الماشية والراكبان قمة مطلع في الأرض ثم وصلا إلي هضبة مرتفعة مغطاة بحشائش طويلة وشجيرات , واستطاعت ستاسي أن تري أمامها صهريج الماء وطاحونة
الهواء وخلفهما سيارة ستيشن وبعض سيارات البيك أب والمقطورات .عبرت وجهها نظرة دهشة وهي تقول:
" أهذه سيارة المطبخ ؟"
أفلتت من راعي البقر المسن ضحكة لاذعة:
" قلت لك أن الغرب القديم قد ولي . إنهم يحضرون الطعام من بيت المزرعة وينقلونه بالمقطورة إلي مكان الوقوف في الظهيرة".
ثم أبتسم متابعا :
"أذهبي أنت. لن تذهب الماشية إلي أي مكان غير صهريج الماء . ارتاحي كلما سنحت الفرصة لذلك . سنقضي فترة بعد الظهيرة الطويلة فوق سروج جيادنا".
أمسكت ستاسي بعنان جوداها وأدارته حول القطيع , ثم ركضت في اتجاه العربات المنتظرة , متجهة إلي حيث ينتظر أحد رعاة البقر بجانب الشاحنات . كان هناك عدد
من الفرسان بجانب السيارة الستيشن . بعضهم يتناول طعامه بينما هم البعض لآخر بإحضار طعامه . ولاحظت ستاسي وجود اثنين من المكسيكيين يقومان بتهدئة بعض
الجياد ويستبدلانها بجياد من الشاحنات .ترجلت عن حصانها ببطء , كانت عظامها وعضلاتها تؤلمها لدرجة أنها اضطرت للوقوف دقيقة حتى تستطيع أن تعتاد وجود أرض
صلبة تحت قدميها , لم تكن واثقة من قدرتها علي السير . فمشت بضع خطوات حذرة في اتجاه السيارة حتى عرفت أنها تستطيع الاتكال علي نفسها , فانضمت إلي
الرجال عند سيارة الستيشن حيث كان يوزع عليهم الطعام .
توقف المزاح اللطيف والدمدمة بين الرجال عندما وصلت ستاسي مما أشعرها بعدم الارتياح. كانت مرهقة وجائعة بعد إفطارها البسيط فنسيت وضعها الحرج . وأحمر
وجهها وارتعشت يدها وهي تأخذ طبقا من الطعام ومعه شريحة سميكة من الخبز من أحد الطهاة , وكوبا ساخنا من القهوة من طاه آخر . أاستدارت بعصبية لتبحث عن
مكان مظلل تستطيع أن تتناول فيه الطعام . كانت كل العيون متجهة إليها وهي تستدير , ونظر البعض بعيدا عنها فجأة بينما أخذ البعض الآخر ينظر إليها في جرأة.
جاءها صوت متردد عن يمينها :
"آنستي !"
التفتت ستاسي فرأت جيم يخاطبها :
"تستطيعين الانضمام إلي أذا شئت , فلم يعد هناك الكثير من الأماكن الظليلة".
نظرت لأول مرة في عيني راعي البقر الشاب قائلة:
" أشكرك يا جيم . أعتقد أن منظري يدل علي أني ضالة".
"نعم . يجب ألا تأبهي لهولاء الرجال. إنهم لم يعتادوا روية النساء في المسكر ".
نظرت إليه , كان وجهه شبه بالصبية مما يخدع من يريد تقدير سنه الذي كان في منتصف العشرينات.
سألته ستاسي أثناء تناول الطعام :
" هل تعمل هنا منذ وقت طويل؟"
" أعمل هنا من وقت لآخر طوال عمري . لقد انتهيت من الخدمة العسكرية منذ عامين وذهبت إلي الجامعة ولكني أعمل هنا فترة الصيف لأكسب مصاريف تعليمي".
" ماذا تدرس؟"
" علم الغابات والحفاظ عليها "
" هل تنوي أن تصبح حارسا للغابة ؟"
أجاب مستمتعا باهتمام ستاسي به:
" أرجو ذلك . لقد أقترح سيد هاريس علي العودة للمزرعة , ولكني أفضل ألا أفعل . في البداية كنت سأصبح طبيبا بيطريا ولكني اكتشفت اهتمامي أكثر بالناحية
الزراعية والبيئية ".
قالت ستاسي وفي صوتها رنة مرارة فيما تمضغ قطعة من اللحم :
" لو كنت مكانك لما سمحت لرغبات سيد هاريس أن تتعارض مع ما أريد ".
جاء الرد في صوت خافت ساخر :
" لا . بالطبع لا".
انتفضت رافعة رأسها , وكادت تختنق من قطعة اللحم التي تأكلها وهي تحملق في وجه هاريس . بينما هب جيم واقفا في حرج .
قال وهو يشد علي فكه بقوة مدافعا عن ستاسي بطريقته ضد ابتسامة مخدومه الساخرة :
"كنا نناقش خططي في الدراسة يا سيدي ".
وقفت ستاسي بسرعة حتى تمنع الاستمرار في الحديث نيابة عنها , كان مهينا بما فيه الكفاية أن تضطر للنظر إلي أعلي ... لكورد , ولكن الجلوس تحت قدميه كان
لا يحتمل مطلقا , ونقل كورد هاريس بصره من عامل المزرعة الشاب إلي الفتاة الواقفة أمامه بدون قبعة . قابلت نظرته بجرأة وهي تشعر مرة أخري بأن ثيابها ووجهها
قد كساهما الغبار.
قال كورد وصوته يبين رغبته في إبعاد جيم :
" ربما وددت مراقبة الجياد يا كونورز".
ألقي راعي البقر بنظرة إلي الفتاة الواقفة بجانبه , ابتسمت له ستاسي بثقة أكثر بكثير مما كانت تشعر . كان نبضها مسرعا سرعة مزعجة . وتركها جيم كونورز
رغما عنه واقفين وحدهما بجانب المقطورة.
" يبدو أنك استطعت أن تكسبي لنفسك معجبا !"
قالت ستاسي بصوت لاذع:
"لا تكن مضحكا ! لقد كان مهذبا فقط من الواضح أنه قد تعلم السلوك الحسن ولا أستطيع أن أقول هذا عن أناس آخرين ".
قال كورد متجاهلا أهانتها :
"أرى أنك في حالة جيدة علي الرغم من العمل طوال الصباح "ز
واستند إلي جانب المقطورة لشعل سيكارته . وبلا شعور أمسك بالثقاب حتى برد وهو ينظر طوال الوقت إلي وجه ستاسي المتسخ .
" نعم . قمت بعمل جيد بالرغم من الصعوبات . هل أنت مندهش ؟"
أجاب:
" لا أعتقد أنك تستطيعين عمل أي شيء تقررين عمله . إني فقط أتساءل‘إذا كانت عندك القدرة علي الاستمرار".
مشي إليهما هانك وقد جذبت انتباهه مهرة بنية اللون في الناحية البعيدة من المقطورة , وقال:
" أهلا يا سيدي , هل هذه المهرة التي اشتريتها في الأسبوع الماضي ؟ إنها بالتأكيد حلوة الشكل".
أما المهرة فقد كرهت القيود وأخذت تذرع الأرض في صبر نافد وتجر لجامها . لم تترك عينا كورد وجه ستاسي وقال:
" نعم إنها حلوة !"
شعرت ستاسي بحمرة الخجل تغمرها ولكنها لم تستطع أن تهرب من العينين المسيطرتين .
وسأل هانك :
" هل تعتقد أنها تستطيع الاستقرار في حياة المزرعة؟"
ثم وجه بقية كلامه لستاسي بدون أن يلاحظ أنها لا تعيره الكثير من انتباها :
" لقد دخلت السباق عدة مرات وهي معتادة علي الكثير من الضجة والصخب . تستطيع أن تقول إنها مدللة ".
داعبت شفتا كورد ابتسامة هازئة وهو يرقب أمارات الارتباك واضحة علي وجه ستاسي وقال:
" من الصعب أن أجزم يا هانك ".
استمر راعي البقر الكهل في الكلام وهو يهز رأسه :
" بالتأكيد إنها تبدو متعبة . ستحتاج للكثير من الصبر حتى تتغير طريقة تفكيرها".
قال كورد ضاحكا :
" بالطبع ستحتاج للصبر , ستحتاجه . حسنا يجب ألا أعطلكما أنتما الاثنين عن عملكما أكثر من ذلك . سأراكما فيما بعد ".
هز رأسه لستاسي , ثم ربت بود علي ظهر الحصان , ومشي بخطوات واسعة نحو المهرة المربو طة وعلي وجهه تعبير سرور مكتوم . فك لجام الحصان
وقفز بسهولة فوق السرج , ولم ينظر في اتجاههما وهو يوجه الحصان نحو مجموعة من الركاب يتحدثون وهم يشربون آخر قدح من القهوة . لم تسمع ستاسي
حديثهما ولكنها فهمت أنه يأمرهم بالعمل لأنهم تفرقوا بعد وقت قصير , وساروا إلي حيث ربطت جيادهم .
لمحت جيم من طرف عينها يمشي قائدا حصانين وأعطاها لجام حصان كبير ذي أنف روماني . وأحست ستاسي بأن جيم كان محرجا لتركها بين براُن كورد ,
ولكنها في تلك اللحظة كانت تري الوجه الذي لوحته الشمس واضحا في ذهنها , والضحكة اللذيذة الصادرة من الحلق ترن في أذنيها . وركبا في صمت
وانضما إلي هانك ليبدوا عمل بعد الظهيرة.
***